هبط الإسلام إلى العالمين كوليد في المهد ، وكسرى يزأر في الدنيا: أملاكي لا تغيب عنها الشمس بعد أن دحر الرومان بجيوشه ، وهرقل يلم شعثه ويجمع شتات جيوشه للثأر ويجيب وأنا كذلك، وتتنزل المعجزة الكبرى على المستضعفين في مكة في كلمات من القرآن الحكيم تصور المستقبل القريب بانتصار الرومان على الفرس في بضع سنين ثم أفُول نجمهما إلى الأبد تحت نعال شباب الإسلام ورجاله ، وفي ومضة من عمر الزمن لم تتجاوز ربع قرن تحولت المعجزة الكبرى من كلمات قرآنية في مطلع سورة الروم إلى واقع أعجب من الخيال صوره أمير الشعراء شوقي رحمه الله بقيثارته الشعرية الرشيقة مناجيا نور رسول الله صلى الله عليه وسلم:
وعلمت أمة بالقفر نازلة رَعْيَ القياصر بعد الشاء والغنم
أتيت والناس فوضى لا تمر بهم إلا على صنم قد هام في صنم
ولم يكن في كلماته تلك ، مجاملا أو مستغرقًا في خيال الشعراء ، بل يحكي واقعا سجله التاريخ بمداد المجد والفخار ، إذ يذكر أحدهم أمير المؤمنين عمر في مجلسه بالأدب النبوي الشريف"أكرموا عزيز قوم ذل"حينما شاهدوا من بين سبايا فارس بنات كسرى الثلاث إثر وصول الغنائم والسبي من القادسية وأشاروا بتسليم الفتاة الأولى إلى الحسين حفيد رسول الله صلى الله عليه وسلم فرزقه الله سبحانه منها علي زين العابدين الذي نجا من مذبحة كربلاء وحفظ الله به سلالة نبيه صلى الله عليه وسلم ، والفتاة الثانية لعبد الله بن عمر فرزقه الله منها بسالم شيخ المحدثين والفقهاء في عصره والثالثة لمحمد بن أبي بكر الصديق ـ رضي الله عنهم أجمعين . فأفقدت صدمة انتصار الإسلام الساحق في هذا الزمن الوجيز العقول والألباب لأعدائه ، فبدؤوا يضربونه في كل الاتجاهات وتكفل الحق جل وعلا بحفظ كتابه من سهام حقدهم: ( إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ) [ سورة الحجر الآية: 9 ] .