الصفحة 29 من 97

يقول الأستاذ العقاد -رحمه الله-: (( ومما لا شك فيه أن عمر كان مقتربا من الإسلام يوم رثى لأم عبد الله بنت حنتمة، وتركها تنطلق إلى الهجرة وهو يدعو لها بالسلام، وكانت هي على صواب حين طمعت في إسلامه ورجلها يائس منه، فقد سألها عامر بن ربيعه مستغربا مستعبدا: كأنك قد طمعت في إسلام عمر؟ قالت: نعم. قال: إنه لا يسلم حتى يسلم حمار الخطاب!

ولكن الرجل أخطأ وصدقت المرأة، إذ ليس أسرع من المرأة أن تلمح جانب الرقة وجانب الغضب من قلب الرجل في خطفة عبن.. أليست حياتها كلها من قديم الزمن منوطة بذلك الغضب كيف تتلطف في تحويله؟ وبتلك الرقة كيف تتلطف في ابتعاثها من مكمنها؟ وهل تحجبها عنها القوة، وهى ما نفذت إلى نفس الرجل قط إلا من وراء القوة )) (1) .

لعل هذا الموقف يجسد الصراع العاطفي فهو يسأل عن سبب الخروج الذي أسهم مع غيره من المشركين فيه، ثم تراه يقول لها: (( إنه للإنطلاق يا أم عبد الله ) ). أي أنه يشعر أنها بداية لانطلاقة الدعوة الإسلامية، وليست هزيمة لهم نتج عنها هجرتهم إلى الحبشة، وقد استشفت أم عبد الله ما يؤكد ذلك بقولها: (( ورأيت له رقة لم أكن أراها ) )ونلاحظ في قول زوجها (( لا يسلم الذي رأيت حتى يسلم حمار الخطاب ) )يأسا منه لما كان يرى من غلظته وقسوته على الإسلام )) .

وهذا يؤكد أن الصراع قد بدا تأثيره الإيجابي عند عمر، وأنه بدأ في الإدراك الوجداني لحقيقة الإيمان، بل ولمستقبل الإسلام عند قوله (( إنه للإنطلاق ) ).

ولكن كما قلنا إن العاطفة تحمل في نفسها عاطفة مضادة لها، ولذلك نرى أن الأمر قد أدى بعمر أن اعتكف فترة يقلب الأمر في نفسه، وكان من الطبيعي حينئذ أن ينتهي به إلى الأيمان، إلا أن الذي حدث هو خروجه لقتل محمد صلى الله عليه وسلم تجسيدا للصراع النفسي.

الصراع العاطفي والرغبة في تأكيد الذات:

(1) - [عبقرية عمر: 57]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت