وقد تعددت الروايات في إسلام عمر، واختلف بعض هذه الروايات في اللفظ واتفق في المغزى، وجعل أناس ينظرون فيها كأنما الصحيح منها لا يكون إلا رواية واحدة وسائرها باطل لا يشتمل على حقيقة، فلم لا تكون صحاحًا كلها؟ ولم لا تكون أسبابًا متعددات في أوقات مختلفات؟ فمن المستطاع المعقول ان نسقط منها قليلًا من الحشو هنا وهناك، ثم نلخص منها جملة أسباب لا تعارض بينها في الجوهر، وقد يعزز بعضها بعضًا في نسق السيرة وفي لباب النتيجة، وكان للعاطفة العمرية أثر كبير في اعتناقه الإسلام، فنجده يعيش صراعًا عاطفيًا يدفعه أحيانًا إلى معاداة الرسول صلى الله عليه وسلم والمسلمين، وأحيانًا أخرى نجد الشفقة والعطف يسيطران على عاطفته رضي الله عنه. فيصل إلى بداية الإدراك الوجداني لحقيقة الإيمان، ولكن الصراع لم يهدأ فإذا هو يتأثر بعاطفة العداوة، فيندفع إلى الخروج لقتل محمد صلى الله عليه وسلم، لكنه حين علم بإسلام أخته يندفع إليها ويضربها بل ويضرب زوجها، ويصل الصراع إلى الذروة ليجد نفسه بين عاطفة الشفقة والعطف على أخته، وبين الإدراك الوجداني لحقيقة الإيمان ثم ينتهي به الصراع إلى اعتناقه الإسلام.
وسوف أستعرض مراحل هذا الصراع بشيء من التفصيل:
الصراع بين عاطفة القسوة والتعذيب وبين الشفقة والعطف:
إن قانون العاطفة هو اجتماع الضدين، أي الصراع القائم في طيات العاطفة الواحدة، فكل عاطفة مهما كانت سامية تحمل في ثناياها بذور العاطفة المناقضة لها.
وحين نحاول التعرف على دوافع القسوة والتعذيب عند عمر رضي الله عنه في فترة ما قبل الإسلام، نجدها ممزوجة في نفس الوقت بعاطفتي الشفقة والعطف، وغليك بعض المواقف التي نلمس فيها هذا الأمر.
القسوة والتعذيب لجارية بني مؤمل: