بعد التعريف به رضي الله عنه قد يبدو تناقض في الجانب العاطفي في شخصيته رضي الله عنه ولكن العقاد ـ رحمه الله ـ يفسر لنا هذا الأمر تفسيرا يزيل شبهة التناقض: فيقول: (( اتصف عمر بالشدة في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم وتفسيره كما قال غير مرة أنه كان سيفا للرسول، إن شاء ضرب به وإن شاء أغمده في قرابه، وأنه كان جلوازه ـ شرطيه ـ القائم بين يديه، وليس من شأن الجلواز أن يمسك كثيرا أو قليلا من بأسه حتى يؤمر بإمساكه، ويرد الهوادة واللين. فكان جميلا بعمر أن يسهو عن تلك الحقيقة، وأن يحتاج فيها إلى تذكير واستحضار، وكان أفضل واجبيه لا مِرَاء ـ لاشك ـ أن يعرض البأس حتى يؤبى ثم يثوب إلى اللين ولا جناح عليه.
واليقين الذي لا يخامرنا الشك فيه، أن عمر كان خليقا أن يفهم تلك الحقيقة بتفصيلاتها لو جعل باله إليها، ولم يجعل باله إلى تقديم ما عنده، والجود بأقصى جودة في انتظار القول الفاصل من رأى النبي صلى الله عليه وسلم،ولو لا استعداده لفهم تلك الحقيقة وما شابهها لما انتفع بالقدوة، ولا أغنت معه المثل والتجاريب.
ومهما يكن من حاجته إلى دروس معلمة وهداية، فالذي نعتقده أن مكانه من الخلافة لم تقرره الحاجة إلى تلك الدروس،لأن الصحابة كلهم على حكم واحد في هذا الاعتبار. فما من رجل كان بين أصحاب محمد صلى الله عليه وسلم إلا كان مفتقرا إلى جانب من جوانب هديه وتهذيبه وتقويمه، وما كان عمر على التخصيص بأشد افتقار إلى ذلك من رفاقه وتابعيه، وإن اختلفت ما يعوزه وما يعوزهم من مواضع الهدى والتهذيب والتقويم )) (1) .
(1) - [العقاد: عباس محمود العقاد ـ عبقريات العقاد ـ ط دار الشعب ـ عبقرية عمر ص 114، 115]