الصفحة 16 من 19

إن أصالتنا لا تمنعنا من أخذ هذا العلم والاقتباس منه والانتفاع به ، بل هي توجب علينا ذلك إيجابًا . إن التكنولوجيا لا تشترى شراء ، فتلك التي تشترى لا تطور المجتمع ، فهي تساعد على الاستهلاك لا الإنتاج ، والتقليد لا الاتباع . إن التكنولوجيا يجب أن تنبت عندنا ، وأن تتفاعل مع واقعنا ، وأن نحملها نحن . ولا يظنَنَ ظان أن ما نملكه اليوم من أجهزة ومعدات يجعلنا عصريين .

3 -النظرة المستقبلية:

إن من طبيعة المعاصرة ألا نستسلم للحاضر بل نتطلع دائمًا إلى المستقبل . إن النظرة إلى المستقبل لا تقوم على الكهانة والتنجيم ، ولكن على الإحصاء والتخطيط ، والدراسة والرصد وبناء النتائج على المقدمات . يجب أن نفيد من دراسات المستقبل التي ازدهرت في الفترة الأخيرة ازدهارًا كبيرًا .

والناس بين الماضي والمستقبل على ثلاثة أنواع:

الماضويون: المشدودون دائمًا إلى الوراء لا ينظرون أمامهم أبدًا . ومن سماتهم أنهم يضفون لونًا من القداسة على التراث فهو برأيهم حق كله لا يمكن أن نترك شيئًا فيه . ويسرفون في ردّ كل جديد إلى قديم من التراث ، وإن لم يقم على ذلك برهان: فالطب الحديث مأخوذ من الرازي وابن سينا ، وعلم الاجتماع المعاصر يوجد عند ابن خلدون ، واللسانيات المعاصرة عند سيبويه ... وهلم جرَا . وهم يعتبرون كل زمن شرًا مما قبله ، ومتعلقون بالصورة والشكل لا بالروح والجوهر .

المغرقون في المستقبلية: ينظرون دائمًا إلى الأمام ولا يلتفتون إلى الوراء لأن الإنسان يتطور دائمًا إلى ما هو أحسن وأمثل ، إنهم كما وصفهم أحد المفكرين:"كأنما يريدون أن يلغوا الماضي من الزمن ، و (أمس) من اللغة ، والفعل الماضي من الكلام ، ويحذفوا الوراء من الجهة ، والذاكرة من الإنسان". التراث عندهم متهم ، والماضي بغيض ، والسلف متخلفون ، وتاريخ الأمة ظلمات بعضها فوق بعض . يسكتون عن حسنات التراث ، ويضخمون ما فيه من فتن وانحرافات .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت