منهم من ينحاز إلى"المدرسة الفلسفية"ولاسيما"المدرسة المشائية"، التي جعلت أكبر همها التوفيق بين الفلسفة والدين ، ولكنها اعتبرت الفلسفة أصلًا ، والدين تبعًا ، فإذا تعارضا أولَ الدين ليتفق مع الفلسفة .
ومنهم من ينحاز إلى"المدرسة الاعتزالية"، ويعدُ المعتزلة"المفكرين الأحرار"في الإسلام . وحديث هؤلاء عن المعتزلة يوهم أنهم جماعة"عقلانية"محضة ، لا تذعن لنصوص الدين ، ولا تخضع لأحكام الشرع ، وهو تصوير غير صحيح ، لاسيما في مجال الفقه والأحكام العملية ، التي كثيرًا ما تبعوا فيها المذهب الحنفي .
ومنهم من ينحاز إلى شخصيات معروفة دون غيرها ، مثل ابن رشد ، وابن حزم ، وابن عربي ، وابن خلدون ، وكلامهم عن هؤلاء وأمثالهم يصورهم بصورة"العقلانيين"الخلصاء ، الذين يرفضون النصوص إذا خالفت مقرراتهم العقلية .
وهذه قراءة متحيزة لهؤلاء الأعلام ، فكتبهم تدل بوضوح على أنهم ـ ككل المسلمين ـ لا يملكون أمام محكمات النصوص ، إلا أن يقولوا: سمعنا وأطعنا .
فابن رشد وابن خلدون كلاهما قاض شرعي وفقيه مالكي ، وابن رشد هو صاحب"بداية المجتهد ونهاية المقتصد"في الفقه المقارن ، الذي يتجسد فيه احترام المصادر والأدلة الشرعية كلها ، من الكتاب والسنة والإجماع والقياس .
وابن حزم وابن عربي كلاهما فقيه ظاهري ، يأخذ بظواهر النصوص وحرفيتها في مجال الفقه واستنباط الأحكام ، وإن كان على ابن عربي اعتراضات جمة في تصوفه الفلسفي .
ولكن هؤلاء العصريين يستنطقون تلك العقول الكبيرة ـ على اختلاف اهتماماتها وتخصصها ـ بما يحبون هم أن تنطق به ، لا بما نطقت به بالفعل ، فهم يريدونها مترجمة عنهم ، معبرة عن فكرهم ، لا عن ذاتها وفكرها الخاص .