3 ـ أسّسوا على تلك المنطلقات الفكرية، الدعوة الى العلمانية السياسية التي تعني عزل الحياة عن الدِّين وبناءها على أساس ما اكتشفوا من علوم ومعارف، وليس منها الايمان بالله وبمبادئ الاخلاق، فما ازداد الانسان إلاّ شقاءً وعذابًا . فكانت هذه الدعوة أداة لتسلّط الطواغيت، والهيمنة على الانسان المستضعف، كما تشهد بذلك التجربة السياسية المعاصرة، وما يمارسه المتسلِّطون من قتل وإبادة جماعية، وتجويع وتعذيب واضطهاد في كل أنحاء العالم .
4 ـ لقد بُنيت دراسات وبحوث علم النفس والسلوك في هذه المدرسة على أساس التفكير ومنهج البحث المادي، فانتهى هذا المنهج الى المناداة بالإباحية السلوكية، زاعمين أنّ الايمان بقيم الحلال والحرام والأخلاق يشكِّل قيودًا على اتجاه الانسان الداخلي ورغباته النفسية، فتسبِّب تلك القوانين والقيم الأخلاقية الاسلامية الكبت والحرمان لتنتهي الى العقد النفسية، وقتل نزعات الانسان وميوله الداخلية .
وسنلاحظ من خلال الاحصاء، كيف أنّ الإباحية السلوكية لم تُنقذ الانسان من الشّقاء والعذاب النفسي، بل تسبّبت بمضاعفة محنته النفسية، وتصاعدت حالات الاجرام والاقبال على المخدِّرات والقلق وازداد التشرّد والكوارث والفضائح السياسية والأزمات الاقتصادية .
ولعلّ أبرز ما يفضح لنا حقيقة الحضارة المادية العلمانية، أو (الجاهلية) كما يسمِّيها القرآن، هو لغة الأرقام والاحصاء المعبِّرة عن مختلف جوانب الحياة السلوكية الفردية والاقتصادية والسياسية ... الخ. فمن خلالها نستطيع أن نقيِّم ادّعاء الاتجاه المادي العلماني وقيمة تصويره للفكر الاسلامي بأنّه فكر متخلِّف، لا يصلح للعالم المعاصر، ولا يستطيع أن يستوعب حركة العلم والمدنية المتنامية .
وإذن فلنقرأ البيان والتحليل القرآني للمجتمع الجاهلي ومصاديق هذا التشخيص بالأرقام والتقارير الشاهدة على تلك الأوضاع المتردِّية .
الانسان في الحضارة المادية
قال تعالى: