« أمّا تعريفهم للارسال فقد وقع موقع الاختلاف لديهم، فالذي يبدو من بعضهم أنّ معناه عدم الاعتماد على نصّ شرعيّ، وانّما يترك للعقل حقّ اكتشافها. بينما يذهب البعض الآخر الى أنّ معناها هو عدم الاعتماد على نصّ خاص، وإنّما تدخل ضمن ما ورد في الشريعة من نصوص عامّة، واستنادًا الى هذا التفاوت في معنى الارسال، تفاوتت تعاريف المصلحة المرسلة؛ فابن برهان يعرِّفها بقوله: ما لا تستند الى أصل كلِّي أو جزئي… بينما يذهب الاُستاذ معروف الدواليبي الى ادخالها ضمن ما شهد له أصل كلِّي من الشريعة، يقول ـ وهو يتحدّث عن الاستصلاح ـ: الاستصلاح في حقيقته هو نوع من الحكم بالرأي المبنيّ على المصلحة، وذلك في كل مسألة لم يرد في الشريعة نصّ عليها، ولم يكن لها في الشريعة أمثال تُقاس بها، وانّما بُني الحكم فيها على ما في الشريعة من قواعد عامّة برهنت على أنّ كل مسألة خرجت عن المصلحة ليست من الشريعة بشيء، وتلك القواعد هي مثل قوله تعالى: { إنَّ اللهَ يأمرُ بالعدلِ والاحسانِ } ، ومثل قوله (ص) : لا ضَرر ولا ضِرار » (2) .
وهكذا تتّضح أمامنا نظرية تشريعية بحثت تحت عنوانين ـ مع اختلاف القائلين بهما ـ وهما عنوان (منطقة الفراغ) و عنوان (المصالح المرسلة) ، والبحث في كلا العنوانين يُشخِّص وجود مساحة لم يحدِّد فيها الشارع حكمًا صريحًا، وإنّما ترك الأمر لتقدير المصالح التي يواجهها الجيل المعايش .
وهذا المبحث التشريعي هو من أهم مباحث الثابت والمتغيِّر في التشريع الاسلامي الذي ظلّ مرنًا ومفتوحًا لاستيعاب حركة التطوّر والتغيير في الحياة الانسانية .