د ـ ملء منطقة الفراغ التشريعي: وقد تحدّث الشهيد الصدر عن منطقة الفراغ وعرّفها بوضوح كافٍ كما تحدّث عن صلاحيّات الدولة الاسلامية . ولكي تتّضح الفكرة لدى القارئ فلنعرِّفها بإيجاز:
إنّ دراسة وتحليل المجالات التشريعية في الاسلام توضِّح لنا أنّ هناك وقائع وموضوعات وقضايا قد بيَّنت الشريعة الاسلامية أحكامها وحدّدتها بشكل محدّد ومثبت، في حين تركت مساحات أُخرى لم تحدِّد لها حكمًا معينًا، وتركت أمر تحديد الحكم المناسب فيها للدولة الاسلامية (وليّ الأمر) ، فهو الذي يملأ ذلك الفراغ، أي يحدِّد الحكم المناسب حسب الظروف والأوضاع . لذلك اختار الشهيد الصدر لها اسم (منطقة الفراغ) ، وقد بحثت (منطقة الفراغ التشريعي) لدى فقهاء بعض المذاهب الاسلامية تحت عنوان (المصالح المرسلة) .
وعلى الرّغم من بعض التفاوت في التحليل والاستدلال والصياغة، فأنّ المحور الأساس والمشترك في البحث هو: أنّ هناك مساحة لم تحدّد فيها أحكام، وترك أمر التقنين فيها للحاكم الشرعي، مقدِّرًا ذلك وفق المصالح القائمة في حينها، على أنّ ذلك التقدير خاضع للتغيير والتبديل حسب الظروف والأوضاع، وهذا البحث التشريعي يدخل في مبحث الثابت والمتغيِّر من التشريع الاسلامي .
وقد بنى الشهيد الصّدر استدلاله على المُسلّمة العقيدية القائلة أنّ رسول الله محمّدًا (ص) يحمل بالاضافة الى شخصه الاجتماعي شخصيّة النبوّة ، ووُصف بها باعتباره متلقيًا للوحي عن الله سبحانه ومبلِّغًا له ، وشخصية الولاية باعتباره ولي أمر المسلمين، وحاكمًا للاُمّة، وعلى هذا الاساس درست الأحكام والقوانين والمواقف الصادرة عن الرسول (ص) ، ويمكن أن نُقسِّم ما صدر عنه الى قسمين:
1 ـ ما صدر عنه باعتباره (ص) نبيًّا مبلِّغًا عن الله سبحانه ، وتلك أحكام ثابتة لا تغيير فيها ولا تبديل إلاّ لأسباب وظروف وطوارئ؛ كالضرورات والضرر والتزاحم وأمثالها، وهذا التبديل يزول بزوال الطارئ .