تتحدّث هاتان الآيتان عن التكوين والتشريع، وتلفتان النظر الى أنّ خالق الانسان والعالِمَ بتكوينه الجسدي والنفسي والفكري هو الّذي شرّع الأحكام والقوانين التي تنظِّم حياته، وهو العالِم به وبأوضاعه وحيثيّات حياته، تكوينًا وتشريعًا، وجعل التشريع بعلمه وعدله وحكمته قائمًا على اُسس فكريّة عامّة سمّاها القرآن (اُمّ الكتاب) أي أُصوله الكليّة الثابتة التي يُبنى عليها الفكر والتشريع بأسره، وبذا فرّق القرآن بين الاُسس والمبادئ التي يُبنى عليها التشريع، وهي مبادئ كليّة ثابتة، وبيّن تفصيلات قانونية لتنفيذ هذا المبدأ ، ومادّة تلك الاُسس الكليّة هي المادة الاساسية لتلك القوانين التفصيلية وروحها ومقاصدها، فهي تعمل على تنفيذ روحها ومقاصدها وأهدافها، وقد عبّر عنها بعض الباحثين الغربيين أمثال مونتسكيو، عبّر عن تلك المبادئ الأساسية بروح القوانين، وعبّر عنها بعض علماء الاسلام بمقاصد الشريعة .
وفي أحد تقسيمات التشريع الوضعي ودراسات فقهاء القانون، نجدهم قد قسّموا التشريع الى قانون أساسي (دستور) وقانون عام (القانون العادي) ، وهذا التقسيم يتقارب الى حدّ كبير مع المبدأ الذي وضّحه القرآن بنصّه الآنف الذكر ؛ فهو يوضِّح الثابت الذي لا يتغيّر، وما يمكن أن يطرأ عليه التغيير من الأحكام، كما ضرب لذلك مثلًا بقول الله تعالى عند مخاطبته آدم (ع) الممثِّل للنوع البشري مثبِّتًا له وثيقة حقوقه المعاشيّة في الحياة التي تمثِّل الأساس الفكري الثابت للتشريع المعاشي للانسان، قال تعالى:
{ إنَّ لكَ ألاّ تجوعَ فيها ولا تَعرى * وأ نَّكَ لا تظمأُ فيها ولا تَضحى } . (طه / 118 ـ 119)