الصفحة 53 من 66

وذلك يعني أنّ الشريعة الاسلامية قد لاحظت ظروف الشخص والجماعة، وما يطرأ من عوارض تقتضي تغيير حكم الفرد أو الجماعة، ما زال الموجب قائمًا . وهذا يعني أنّ ظروف تنفيذ الحكم وآثاره المنعكسة على المنفِّذ لها دخل في ثبوت الحكم أو تغييره، فيكون التغيير نسبيًّا ومحدودًا بحدود دواعي التغيير، وليس تغييرًا مطلقًا للحكم الذي يعني النسخ (وهو استبدال حكم بحكم آخر) ، انّما هي عملية إيقاف العمل بحكم (تجميد العمل به) والانتقال الى العمل بحكم آخر ريثما يزول الداعي الى هذا الايقاف والانتقال، ذلك لأنّ ملاك الحكم يدور مدار المصالح والمفاسد القائمة في الطبيعة الذاتية للفعل؛ كشرب الخمر والصّوم، فشرب الخمر مفسدة بذاته، ولا يمكن أن تتغيّر العلاقة الضارّة بينه وبين جسم الانسان وعقله؛ لذلك لا يمكن أن يتغيّر هذا التحريم، انّما يرخّص للمضطرّ والمكرَه أن يشربه لدفع ضرر أعظم من ضرر شرب الخمر ، كما لو اشتدّ به العطش إلى درجة يخشى معها على حياته ، ففي هذه الحالة يرخص له بتناول الخمر بقدر ما يدفع عنه خطر الموت .

قال تعالى: { فمنِ اضطُرَّ غيرَ باغٍ ولا عادٍ فلا إثمَ عليهِ } .

2 ـ الأحكام الأوّلية والأحكام الثانوية:

ومن المباحث التشريعية التي ترتبط بالملاكات وتغيّر الأحكام هو مبحث الحكم الأوّلي والحكم الثانوي. ويشكِّل هذا المبحث مجالًا واسعًا لحلّ مشكلة التغيّر الموضوعي في القضايا والشؤون العامّة للحياة في مجالها السياسي والاقتصادي والفردي والتعبّدي ... الخ .

وتقسيم الأحكام الواقعيّة إلى أحكام أوّلية وثانوية نتج عن مراعاة المشرِّع لملاكات الأحكام وما يطرأ على متعلِّقاتها وموضوعاتها والمجالات التي تتكفّل بتنظيمها وتحديد موقف الانسان منها من طوارئ وعوارض ومستجدّات. فتغيّر الواقع الموضوعي يستدعي تغيّر الحكم .

ولكي يكون البحث أكثر وضوحًا فلنعرِّف كلاَّ من الحكم الاوّلي والحكم الثانوي .

ــــــــــــــــــ

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت