لقد شخّص القرآن على امتداد نزوله على الرسول المنقذ محمّد (ص) حقيقة الجاهلية وما جرّت على البشرية من كوارث ومحن وشقاء، وكشف عن مرتكزات النظام الجاهلي الفكرية والسياسية والاقتصادية والسلوكية في عدّة بيانات، فأوضح أنّ الأساس الذي تقوم عليه الجاهلية هو الكفر بالله وبرسالاته وأنبيائه، والاعراض عن شريعته والاستخفاف بدعوة الهدى ومحاربة مبادئ الايمان الذي تتبنّاه الجاهلية الحديثة .
جاء هذا البيان في العديد من آياته، نستعرض منها قوله تعالى:
{ وقالَ الّذينَ لا يعلَمونَ لَوْلا يُكَلِّمُنا اللهُ أوْ تَأْتِينا آيَةٌ كذلكَ قالَ الّذينَ مِنْ قَبْلهِم مثْلَ قَوْلِهِمْ تَشابَهَتْ قُلُوبُهُمْ قَدْ بَيَّنّا الآياتِ لِقَوْم يُوقِنُون } . (البقرة / 118)
وقال تعالى:
{ كالَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ كانُوا أشَدَّ مِنْكُمْ قُوَّةً وَأكْثَرَ أمْوالًا وأوْلادًا فَاسْتَمْتِعُوا بِخَلاقهِمْ فاستمتُعوا بَخلاقِكُم كَما اسْتَمْتَعَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِكُمْ بِخَلاقِهِمْ وَخُضْتُمْ كَالَّذِي خاضُوا اُولئِكَ حَبِطَتْ أعْمالُهُمْ فِي الدُّنْيا وَالآخِرَةِ وَاُولئِكَ هُمُ الخاسِرُونَ ... } . (التوبة / 69)
{ أَتَواصَوْا بِهِ بَلْ هُمْ قَوْمٌ طاغُونَ } . (الذاريات / 53)
فإنّ تحليل هذه الآيات يوضِّح المشترك الفكري والسلوكي بين جاهليّات الشعوب والاُمم على امتداد التاريخ وبغضّ النظر عمّا تملك من علم ومدنيّة .
فليست الجاهلية في مصطلح القرآن هي مرحلة تأريخية منقضية، ولا هي خاصّة بالعرب قبل الاسلام كما يتصوّر البعض، بل هي امتداد فكري وحضاري قائم على أساس الكفر بالله ورسله وشرائعه؛ لذلك قال: { تَشابَهَت قُلوبُهُم } ، { أتَواصَوْا به } ، { وخُضْتُم كالّذي خاضُوا } ، { كذلك قال الّذين من قبلهم } .
ويشرح القرآن لنا هذا التشخيص في البيئة الفكرية والاجتماعية الجاهلية واغترارهم بما لديهم من علم ومعرفة ومال وقوّة، فيقول: