وقد تعرّض الشهيد الصدر لتحليل الحكم التكليفي، فسلّط الضوء على موقع الملاك من الحكم قائلًا: «ونحن إذا حلّلنا عملية الحكم التكليفي كالوجوب ـ كما يمارسها أي مولى في حياتنا الاعتيادية ـ نجد أنّها تنقسم الى مرحلتين: إحداهما: مرحلة الثبوت للحكم، والاُخرى مرحلة الاثبات والابراز، فالمولى في مرحلة الثبوت يحدِّد ما يشتمل عليه الفعل من مصلحة ـ وهي ما يسمّى بالملاك ـ حتّى إذا أدرك وجود مصلحة بدرجة معيّنة فيه تولّدت ارادة لذلك الفعل بدرجة تتناسب مع المصلحة المدركة، وبعد ذلك يصوغ المولى ارادته صياغة جعليّة من نوع الاعتبار، فيعتبر الفعل على ذمّة المكلّف، فهناك إذن في مرحلة الثبوت: ملاك وإرادة واعتبار، وليس الاعتبار عنصرًا ضروريًّا في مرحلة الثبوت، بل يستخدم غالبًا كعمل تنظيمي وصياغي اعتاده المشرِّعون والعقلاء، وقد سار المشرِّع على طريقتهم في ذلك» (1) .
وهكذا تتّضح لنا مبادئ الحكم ونعرف أنّ ملاكات الأحكام هي التي دعت الى تشريعها، وهي تقرِّر الثابت والمتغيِّر منها .
وكما اتّضح فإنّ الملاك (المصلحة) قوام الحكم الذي تتّجه اليه ارادة المشرِّع، فيصوغ ارادته خطابًا تشريعيًّا يخاطب به المكلّف . وفي مرحلة تلقِّي الخطاب من قِبَل المكلّف يبرز الدور البشري في فهم الاعتبار تمهيدًا لتنفيذ الحكم المجعول في عهدة المكلّف، وسندرس هذه المسألة في ما هو آتٍ من البحث إن شاء الله تعالى، لتتّضح شبهة (ما هو بشري وما هو إلهي في التشريع الاسلامي) .
وحدة الملاك
بعد أن اتّضح لدينا معنى الملاك، فمن المفيد هنا أن نوضِّح أنّ كثيرًا من الموضوعات تتّحد ملاكاتها، غير أنّ الحكم الشرعيّ جاء ممثّلًا ببعضها بموضوع محدّد ومُسمّى، فهل يمكن في هذه الحال أن يُعتبر الملاك أساسًا لتوسعة دائرة الحكم، وشمول حالات أُخرى يوجد فيها الملاك ذاته، وإن لم يسمِّها المشرِّع، أو لا ؟