أمّا المسائل التي لم تكن مشمولة بالأدلّة الفرديّة أو أدلّة العموم والاطلاق فمعنى ذلك أنّ الشريعة الاسلاميّة لم تحدِّد فيها تكليفًا معيّنًا للانسان، ويكون بذلك حرًّا في تصرّفه، فيكون الحكم فيها هو: براءة الذمّة .
وكما أنّ الأصل في التكليف هو براءة الذمّة ما لم يرد دليل على إشغالها، فإنّ الأصل في الأشياء هو الاباحة ما لم يرد دليل على الحرمة .
ــــــــــــــــــ
(1) الحر العاملي / وسائل الشيعة / ج 18 / باب (12) من أبواب صفات القاضي / الحديث (6) .
(2) يقصد بالجعل الشرعي الحكم والوظيفة الشرعية لبيان التكليف وتحديد الموقف الانساني .
(3) الشهيد الصدر/ دروس في علم اُصول الفقه/ الحلقة الثالثة/ ج1 / ص9 .
وإذا أضفنا ما أحلّته الشريعة الاسلامية بتشريعها الفرديّ أو الشمولي الى ما هو مباح بدليل أصالة الحِلّ (أصل الاباحة) وإلى ما اُعفي عنه الانسان، ولم يكلّف به بأصل البراءة، نجد أنّ المساحة الواسعة من الحياة الانسانية هي مساحة حرّة ترك للانسان فيها حريّة التحرّك، وتحديد الموقف، سواء عن طريق التنظيم الجماعي وقوانين الدولة التي تقرِّر المصلحة ، أو القرار الفردي المرتبط بالشخص ذاته، وهذه المساحة خاضعة للتغيير والتبديل وفق المصالح وملاكات الأحكام، والتي سنبحثها فيما هو آتٍ من البحث كما في دراسة الأحكام الثانوية. ومن المفيد أن نُثبِّت هنا أنّ المحرّمات أشياء محدّدة في الشريعة الاسلامية هدفها حماية الحياة البشرية؛ كتحريم الزِّنا واللِّواط والخمر والقتل والسرقة والرِّبا والاحتكار والظلم وتخريب البيئة والغيبة والغشّ والغبن والميتة والدّم... الخ، لذلك قال الله تعالى:
{ قلْ تعالوا أتلُ ما حرَّم ربّكُم عليكُم... } . (الأنعام / 151)
التشريع بين الذاتيّة والموضوعيّة