فإن لم تكن القضيّة التي ليس لها حكم فردي مشمولة بعموم الأدلّة أو اطلاقاتها، فإنّ المجتهد يرجع الى أصل البراءة، ويستنبط من ذلك براءة الذمّة من التكليف، وبذا تغطّى كل المساحات المستجدّة في عالم التشريع والقانون. وينبغي أن نذكر هنا أنّ هذا الأصل له أدلّته من الكتاب والسنّة أيضًا .
وبذا تتّضح أمامنا عملية الاجتهاد وخطوات العمل الاستنباطي .
وقد أسّس العلماء علم اُصول الفقه بقواعده وقوانينه العامّة كمنهج ومنطق علمي لتنظيم عملية الاستنباط، وعرّفوه بأنّه: «العلم بالعناصر المشتركة لاستنباط جعل شرعي (2) » (3) .
كما صاغوا القواعد الفقهية، مثل: قاعدة الالزام، وقاعدة الضّرر ، وقاعدة اليد ، وقاعدة صحّة عمل المسلم، وقاعدة الضمان ... الخ .
وتشكِّل القواعد الاصولية والفقهية بمجموعها القواعد التشريعية الممهِّدة لاستنباط الأحكام الشرعية .
وهي بمجموعها تستوعب التنظيم والتمهيد لعمليّة الاستنباط الذي يثري ويغني التشريع الاسلامي بصورة دائمة .
والجانب الاجتهادي المرتبط بمسألة الثابت والمتغيِّر من الأحكام الاجتهادية هو جانب الفهم، فهم محتوى النصّ ودلالته ومقاصده، سواء في مجال الواقعة الفردية المحدّدة، أو المستوعبة في مجال العموم والاطلاق .
ومن الجدير بالذكر هنا أنّ المنهج العلمي في العلوم الطبيعية والاجتماعية يقوم على أساسين هما:
1 ـ تشخيص الحادثة الفردية .
2 ـ تشخيص القانون العام المنطبق على الحوادث الجزئية المشمولة بهذا العموم على امتداد الزمان والمكان .
فعلم أي موضوع من موضوعات الحياة هو عبارة عن مجموع القواعد والقوانين العامّة التي تنطبق على مفردات موضوعة على امتداد الزّمان والمكان، وبشكل غير محدّد ضمن ظروف وشروط متماثلة .
وكما ينطبق هذا التعريف على العلوم جميعها، كعلم الطبّ والفيزياء والكيمياء والنفس والاجتماع ، فهو ينطبق على علم التشريع والفقه الاسلامي ... الخ .