ويجري عليه العميل ـ وذلك بحكم خبرته في السوق، ولقصر الوقت الفاصل بين الشراء، والبيع، فيؤمن معه تقلب الأسعار، ولو حدث فهو يسير، فما المانع منه؟ فإنه أدخل بالنصح الذي تتطلبه الوكالة، وفيه مصلحة الموكِّل، دون ضرر على غيره.
فإن قيل: هذا دال على أن قصد المشتري"العميل"الدراهم.
قلت: وماذا فيه أيضا، فإن البضاعة إذا كانت ملكه، كان له أن ينتفع بها في أوجه الانتفاع المباحة، ومنها: الانتفاع بثمنها، وعلى الممانع الدليل.
فإن قيل: (قصد الشارع من تشريع عقد البيع هو تلبية حاجات المشتري إلى السلعة، والبائع إلى الثمن، فإذا اشترى المتورق سلعة لا حاجة له فيها، ولا في استعمالها، ولا في الاتجار بها، وإنما يقصد الحصول على نقد حال، على أن يدفع أكثر منه بعد أجل معين فقد ناقض قصده الشارع في تشريع عقد البيع.(3)
قلت: الشارع الحكيم شرع البيع لتحقيق مصالح الخلق، ومن ضمنها الانتفاع بالسلع: باستعمالها، أو الاتجار بها، أو الانتفاع بثمنها، كما هو الشأن في التورق، وما استدل به على إخراج هذا الانتفاع من دليل، هو:"مناقضة قصد الشارع"لا يظهر للخاصة، فضلا عن العامة، وما كان الله ليحرم شيئا، ويخفي دليله إلا عن خاصة الناس، فهذه مشقة تتنزه عنها الشريعة.
هذا فضلا عما يعضد التورق، مما هو به أولى من هذا المنزع، وهو حديث (بع الجمع بالدراهم، ثم اشتر بالدراهم جنيبًا) . (4)
حيث وجه الحديث من امتنع عليه تحصيل شيء من طريق، أن يسلك طريقا آخر مشروعا في تحصيله، والتورق منه، وعلى المانع الدليل.
على أن ما ذكر مراعي في باب فضائل المعاملة، وآدابها، لكن لا يرقى إلى التحريم.