ورأيي في هذا الموضوع المُختلف فيه والمتعلق بالحكم على المباح الذي يُتذرع به إلى المفسدة - هو ما ذكره الشيخ وهبة الزحيلي في كتابه أصول الفقه الإسلامي حيث إنه يقرر ضرورة سد الباب أمام المحتالين والمفسدين الذين يعملون على التحلل من قيود الشريعة وأحكامها، فإن الشريعة جاءت لتحصيل المصالح ودرء المفاسد، وهي إنما تنظر في الحقيقة إلى غايات الأشياء ومآلاتها، فإن كانت هذه الغايات مفاسد وأضرار منعت من أسبابها، وسدت الوسائل والطرق التي يُتذرع بها إليها، ولو كانت هذه الوسائل في نفسها جائزة، وبهذا يكون مذهب المالكية والحنابلة ويقاربهم الحنفية في هذه المسألة أسد وأحكم، والعمل به أوجب وألزم.
وأختم هنا بما ذكره الأستاذ محمد أبو زهرة من أن هذا المسلك أنزه في الدين وأقرب إلى مقاصد الشريعة العامة التي جاءت لإصلاح الناس على أسس صالحة من الخير والسداد في النظم الاجتماعية والاقتصادية والسياسة.
وأود في النهاية أن أنتهز هذه الفرصة لأنبه إلى مسألة منهجية في تعامل البنوك الإسلامية مع تطوير المنتجات المالية. لقد بدأت البنوك الإسلامية بحمد الله تبدي اهتماما متزايدا بتطوير منتجاتها، فقد لاحظنا من خلال مراقبتنا لمسيرة الصناعة المصرفية الإسلامية بروز قائمة لا بأس بها من هذه المنتجات بعضها أخذ طريقه للتطبيق والعدد الأكبر ينتظر الطرح في فترة قريبة قادمة.
ويسعى المجلس العام للبنوك والمؤسسات المالية الإسلامية في هذا الخصوص لإصدار دليل بالمنتجات المالية الإسلامية للتعريف بها ولإبراز خصائصها وكيفية تطبيقها في مختلف المؤسسات المالية الإسلامية.
وفي هذا الإطار لا يخفى أن أي منتج جديد يجب أن يخضع للمراجعة والاعتماد من قبل الهيئات الشرعية للتأكد من مدى مراعاته لضوابط وأحكام الشريعة الإسلامية، ولكن يجب هنا أن نفرق بين المنتجات الجديدة القائمة على أسس وصيغ وأحكام شرعية محكمة متفق ومجمع عليها، وبين المنتجات المالية القائمة على تخريجات وآراء فقهية مختلف فيها.
ففي هذه الحالة الثانية أعتقد أنه على الهيئات الشرعية التريث قبل اعتمادها لهذا النوع من المنتجات الجديدة، حيث يكون من الأفضل أن تطالب هذه الهيئات بعرضها ومناقشتها في محافل علمية أوسع كالندوات وورش العمل المغلقة أو المفتوحة والتي يلتقي فيها نخبة أوسع من العلماء لإبداء الرأي الجماعي حولها، وبهذا فإننا نجنب العمل المصرفي الإسلامي من مخاطر استمرار عمله بآلية معكوسة يبدأ فيها التطبيق قبل التنظير وعمل الفكر الجماعي من أهل الاختصاص.
إنه ليس من صالح العمل المصرفي الإسلامي وهو يدخل عقده الرابع أن يشهد هزات خصوصا على الجانب الفكري، لا نريد أن نجيز اليوم ما نرفضه غدا، أو نمنع اليوم ما أجزناه بالأمس. إن هذا يضر بالصناعة المصرفية عموما ويضر بالمصداقية الشرعية على وجه الخصوص.