وقد أشار فضيلة الشيخ المنيع لهذا الأمر حين علل جواز التورق بانتفاء التواطؤ والتحايل حيث ذكر أن"التورق بيع صحيح جائز لانتفاء غلبة الظن باتخاذه حيلة للتوصل بها إلى الربا، وذلك لبيع مشتري السلعة على غير من اشتراها منه خلافا للعينة المحرمة لوجود غلبة الظن فيها بالتحيل."
كما أشارت فتوى مجمع الفقه الإسلامي لرابطة العالم الإسلامي إلى نفس هذا المعنى بنصها على أن"التورق جائز شرعا وبه قال جمهور الفقهاء لأن الأصل في البيوع الإباحة، ولم يظهر في هذا البيع ربا لا قصدا ولا صورة."
والسؤال الذي يرد هنا هل التواطؤ والتحايل على الربا منتفيا فعلا في عقود التورق، وإذا كان منتفيا في عقود التورق الفردي، فهل هو كذلك في التورق المصرفي؟
يرى المانعون للتورق المصرفي أن التواطؤ والتحايل على الربا واضح في صيغة التورق المصرفي، فقد جاء في فتوى هيئة شركة الراجحي المصرفية أن"التورق في المصارف الإسلامية حيلة مكشوفة لاستحلال الربا".
كما أوضح الدكتور حسين حامد حسان:"إن التورق المصرفي حيلة محرمة لأن المقصود بها تحليل حرام، وهو الحصول على النقد الحال في مقابل دفع أكثر منه مقابل الأجل، واتخذت سلسلة من البيوع والاتفاقيات شاركت فيها مجموعة من المؤسسات بخطة محكمة، وهذه العقود لا هدف ولا غاية للمتورقين فيها، بل إنها الرابطة تجمع عقودا في عقد واحد وإن لم يصرح بذلك لكنه معلوم بالقطع من القرائن والأحوال وطبيعة المعاملة."
كما أشار إلى هذا أيضا الدكتور أحمد محيي الدين حيث ذكر أن"هناك تواطؤ واتفاق بين المصرف والشركة التي سوف تعيد الشراء. علما بأن التورق يستوجب ألا يكون هناك تواطؤ"، وأضاف بأنه:"في عملية التورق يوجد فصل كامل في التصرفات التعاقدية ولكن في عملية التورق المصرفي وفي جلسة واحدة وبمجرد التوقيع على الأوراق تتداخل كل التصرفات التعاقدية."
وقد توسع ابن القيم في كشف التحايل في عملية التورق مبينا أن التورق ما هو إلا دراهم بدراهم دخلت بينهما حريرة، ومشيرا أنه لا فرق بين ذلك وبين مائة بمائة وعشرين درهما بلا حيلة البتة لا في شرع ولا في عقل ولا في عرف، مؤكدا أن"المفسدة التي لأجلها حرم الربا بعينها قائمة مع الاحتيال أو أزيد منها، فإنها تضاعفت بالاحتيال لم تذهب ولم تنقض".
الجانب الثالث: النظر إلى مآلات الأفعال (نتيجة العمل وثمرته)
اعتمد المانعون للتورق المصرفي على أصل اعتبار مآلات الأفعال، وهو من الأصول التي التقت عليها كلمة الفقهاء في الجملة. فالأفعال والتصرفات بموجب هذا الأصل تأخذ حكما يتفق مع ما تنتهي إليه في جملتها بقطع النظر عن نية الفاعل وقصده، ويحكم على تلك الأفعال بالصحة أو التحريم بحسب نتيجة وثمرة هذه الأفعال وما تؤول إليه.