الصفحة 6 من 11

"قَصَد الشارع من المكلف أن يكون قصده في العمل موافقا لقصده في التشريع، والدليل على ذلك ظاهر من وضع الشريعة لمصالح العباد على الإطلاق والعموم، والمطلوب من المكلف أن يجري على ذلك في أفعاله وألا يقصد خلاف ما قصد الشارع".

ويذكر ابن تيمية في فتاواه أن الطريق إلى الحلال هي العقود المقصودة المشروعة التي لا خداع فيها ولا تحريم، كما أنه يؤكد بأن العقود التي لم يقصد حقيقتها من ملك الثمن والمثمن وإنما يقصد بها استحلال ما حرمه الله من الربا فإن هذه لا يمكن أن تلحق بالعقود المشروعة. وهو يفسر قول النبي صلى الله عليه وسلم (بع الجمع بالدراهم، ثم ابتع بالدراهم جنيبا) بأن ذلك ليس فيه دلالة على الاحتيال بالعقود التي ليست مقصودة، لأنه"إذَا بَاعَ الْجَمْعَ بِالدَّرَاهِمِ فَقَدْ أَرَادَ بِالْبَيْعِ مِلْكَ الثَّمَنِ وَهَذَا مَشْرُوعٌ مَقْصُودٌ، ثُمَّ إذَا ابْتَاعَ بِالدَّرَاهِمِ جَنِيبًا فَقَدْ أَرَادَ بِالِابْتِيَاعِ مِلْكَ سِلْعَةٍ وَهَذَا مَقْصُودٌ مَشْرُوعٌ، فَلَمَّا كَانَ بَائِعًا قَصَدَ مِلْكَ الثَّمَنِ حَقِيقَةً، وَلَمَّا كَانَ مُبْتَاعًا قَصَدَ مِلْكَ السِّلْعَةِ حَقِيقَةً."

وهذا الأمر غير متحقق في التورق الذي يتضح أن القصد منه الحصول على نقد حيث إنه يؤول إلى شراء دراهم بدراهم زائدة وأن السلعة واسطة غير مقصودة لأن المتورق يشتري السلعة عازما من البداية على بيعها بخسارة للحصول على النقد.

الجانب الثاني: النظر إلى وجود التواطؤ والتحايل على ارتكاب المحرم

إن النية والقصد مقابل اللفظ والصيغة في العقود من المسائل التي اتجه الفقه الإسلامي فيها إلى اتجاهين، وأكثر المذاهب أخذًا بالألفاظ والمباني مذهب الشافعي وقريب منه مذهب أبي حنيفة، في حين يتشدد مذهب ابن حنبل وكذلك الإمام مالك في رعاية النية والقصد دون اللفظ.

ولكن ينحصر هذا الخلاف بين المذاهب فيما إذا لم يظهر بالدليل أن المتعاقدين قصدا بذلك التعاقد التوسل إلى الربا، أما إذا ظهر قصدهما ذلك بالدليل فلا خلاف بين الأئمة في أنه ممنوع لأنه لا يعقل أن يقول إمام من هؤلاء بجواز التحايل على ارتكاب المحرم. وقد أوضح الشاطبي في موافقاته هذا الأمر بعد أن حكى مذهب الشافعي في العينة قائلا:"ينبغي أن يقيد ذلك عند الشافعي بما إذا لم يظهر مقصد البائع إلى اتخاذه وسيلة الربا"، وعليه إن ظهر القصد في العقد صراحة أو ضمنا بقرائن، فيعمل بقاعدة العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني.

ومن هذا المنطلق يمكن القول بأنه حتى أولئك الذين يأخذون بالألفاظ والمباني والصيغ دون المقاصد والمعاني، فإنهم يمنعون التعاقد في حالة ظهور التواطؤ والتحايل المكشوف مما يحول التورق وكذلك بيع العينة إلى بيوع محرمة عندهم أيضا. وقد أورد الأستاذ أسامة بحر في بحثه نصوص فقهية كثيرة تؤكد هذا المعنى، واستخلص بعد ذلك جواز التورق بشرط عدم التواطؤ والحيلة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت