لم يسرد الحدث سردًا كما هو المعهود في كتب السير والتاريخ، بل ساق الخبر أولًا في معرض التوجيه {ولا تكونوا ... } ولم يغفل جانب القوة والكثرة والمال الذي خرجت به قريش فاختصرها بقوله: {بطرًا ورئاء الناس} ثم قال: {ويصدون} فعبر عن بطرهم بصيغة الاسم التي تدل على التمكين والثبات، وعن صدهم بصيغة الفعل التي تدل على التجدد والحدوث وذلك كما قال الفخر الرازي:"لأن أبا جهل ورهطه كانوا مجبولين على البطر والمفاخرة والعجب أما صدهم عن سبيل الله إنما حصل في الزمان الذي أكرم فيه النبي - بالنبوة" [1] .
ثم إن في هذه الآية اختصارًا؛ فقريش خرجت أول ما خرجت لمنع العير فالتقدير: خرجوا من ديارهم ليمنعوا عيرهم ولم يرجعوا بعد نجاتها بطرًا ورئاء الناس. وهذا الاختصار فيه لدى التأمل من الإعجاز ما لا يخفى.
محاور التوثيق القرآني لغزوة بدر:
نستطيع أن نلخص غزوة بدر في ثلاثة محاور: الأول: مقدمات الغزوة وأسبابها. الثاني: أحداث الغزوة ووصفها. الثالث: نتائج الغزوة.
ولدى استقراء الآيات التي نزلت في غزوة بدر والتأمل فيها نجد أنها استوعبت هذه المحاور كلها وفق المنهج الذي تحدثت عنه في المبحث السابق.
فقد تناولت في المحور الأول خروجَ النبي - من المدينة للقاء القافلة، ومشاورته أصحابه في ذفران لما جاءه الخبر بنجاتها، وكراهة بعضهم القتال وما أحاط بذلك من أحداث وذلك من قوله تعالى: كما أخرجك ربك من بيتك
(1) التفسير الكبير للرازي 15/ 173.