انظر مثلًا قوله تعالى: {وإذ يعدكم الله إحدى الطائفتين أنها لكم وتودون أن غير ذات الشوكة تكون لكم الآية} [1] هذه الآية مستأنفة مسوقة لبيان جميل صنع الله بالمؤمنين مع ما بهم من الجزع وقلة الحزم، وقوله سبحانه وتعالى بعدها: {إذ تستغيثون ربكم فاستجاب لكم الآية} [2] بدل منها، وهي مسوقة أيضًا لبيان جميل صنعه بالمؤمنين وما أيدهم به من الملائكة، وقوله سبحانه بعدها: {إذ يغشيكم النعاس أمنة منه وينزل عليكم من السماء ماء ليطهركم به الآية} [3] بدل ثان من {إذ يعدكم} على أرجح أقوال أهل العلم وهي مسوقة أيضًا لبيان جميل صنع الله بالمؤمنين وإظهار نعمة الطمأنينة التي أنزلها الله على قلوبهم بالنعاس الذي غشيهم بعد أن أطار الخوف كراهم.
والوعد في الآية الأولى كان بذفران [4] ، و الاستغاثة في الثانية كانت بعد وصولهم إلى بدر واصطفافهم للقتال، والنعاس الذي غشيهم والمطر الذي أنزل عليهم كان ليلة بدر، فجمع الله سبحانه بين هذه الأحداث المتباعدة في سياق واحد، وجعل بعضها بدلًا من بعض كأنها حدثت في وقت واحد؛ كل ذلك لأنها مسوقة لبيان جميل صنع الله سبحانه وتعالى بالمؤمنين.
بل نلحظ أمرًا آخرًا في هذه الآيات وهو تقديمه سبحانه وتعالى للآية التي تحدثت عن إمداد المسلمين بالملائكة على الآية التي تحدثت عن الطمأنينة والنعاس الذي غشيهم والمطر الذي أنزل عليهم؛ بالرغم من أن هذه مقدمة في
(1) من الآية 7 من سورة الأنفال
(2) من الآية 9 من سورة الأنفال.
(3) من الآية 11 من سورة الأنفال.
(4) ذفران/ بفتح أوله وكسر ثانيه، واد صغير ينتهي أعلاه بثنية بين جبلين - هي ريعه - ويتفرع منه طريق صعب إلى بدر، سلكه النبي - في طريقه إلى بدر. السمهودي 4/ 281، الطريق النبوي ص40، معجم معالم الحجاز 3/ 257.