الصفحة 2 من 10

، لا نقول إن توثيق الأحداث في القرآن الكريم غير مراد البتة وإنما نقول: إن توثيق الأحداث في القرآن ليس مرادًا بالدرجة الأولى من إيراد الحدث بل تابع للأمر الذي سيق الحدث لأجله؛ لهذا فقد جاء التوثيق القرآني للأحداث مختلفًا عن غيره من وجوه:

الأول: إيراد الأحداث غير مرتبة زمنيًا:

فعلى سبيل المثال: أنزلت سورة الأنفال بأكملها بعد انتهاء غزوة بدر، وهي خاصة بها، حتى قال ابن عباس رضي الله عنهما لما سئل عنها:"تلك سورة بدر" [1] . ولو تأملنا الأحداث التي وردت في هذه السورة لوجدناها غير مرتبة وفق سير الغزوة من يوم خروجه - إلى بدر وحتى عودته إلى المدينة وفق ما يورده أصحاب السير والمؤرخون، بل نجد أن السورة بدأت بالحديث عن الأنفال التي اختلف بعض الصحابة عليها عقيب الانتهاء من الغزوة؛ وذلك للفت أنظارهم إلى أمر هو الأهم عنده سبحانه وهو تزكية النفوس وتطهيرها عن أن تتعلق بعرض من الدنيا قليل، فقال: {يسألونك عن الأنفال، قل الأنفال لله والرسول فاتقوا الله} واجتنبوا ما أنتم فيه من المشاجرة فيها أو الاختلاف أو إخفاء شيء منه بناء على أنكم كنتم موعودين به {وأصلحوا ذات بينكم} ، بالرد والمواساة فيما حل بأيديكم {وأطيعوا الله ورسوله إن كنتم مؤمنين} .

ثم ثنى الحديث فيها عن تردد بعض المؤمنين في القتال، وتوجيههم إلى بذل النفوس في سبيل الله؛ وهذا التردد حدث قبل بدء المعركة.

بل نجد القرآن الكريم يقارب بين الأحداث المتباعدة إذا كانت تجتمع في الأمر الذي سيق الحدث لأجله.

(1) صحيح مسلم، التفسير، باب في سورة براءة والأنفال والحشر 4/ 2322.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت