ورسم التوازي يظهر تقابل صورة الشك مع صورة اليقين واعتمد في رسم هذه الصورة على الحرف (أن) الذي جاء في المتوالية (ما ظننتم أن يخرجوا) حرفًا مصدريًا نصب الفعل الذي بعده، وجاء في المتوالية (وظنوا انهم مانعتهم حصونهم من الله) حرفًا مشبهًا بالفعل نصب الاسم الذي بعده [1] ، ومن التغاير في المتواليتين اسهم الحرف (أن) في رسم تقابل الصورة، يقول ابن ألا نباري: (إنما أتى بـ(أن) الخفيفة والثقيلة بعد الظن، لان الظن يتردد بين الشك واليقين. فتارة يحمل على الشك، فيؤتى بالخفيفة، وتارة يحمل على اليقين فيؤتى بالثقيلة) [2] ، وبذلك احتمل الفعل (ظن) الشك في قوله: (ما ظننتم أن يخرجوا) ، واحتمل اليقين في قوله: (وظنوا انهم مانعتهم حصونهم) ، فاعتمد التوازي على التخالف والتضاد في عرض صورة التقابل، إذ (يقع التقابل بين صورتين متضادتين ترسمان موقفًا نفسيًا معينًا أو تبرزان منحىً جماليًا أو تعالجان موقفًا خاصًا لتكونا ذا اثر بالغ في المستوى الشعوري للمتلقي من خلال القيم التعبيرية الفائقة والمتميزة) [3] .
شك (ما ظننتم أن يخرجوا) ... المسلمون ... (ظن)
يقين (وظنوا انهم ما نعتهم حصونهم من الله) ... اليهود
إذ وقع التقابل في شك المسلمين من خروج اليهود من الحصون، وفي يقين اليهود من ان حصونهم مانعتهم، لوثاقة حصونهم ومنعتهم وكثرة عددهم وعدتهم، لذلك جاءت الآية على هذا النظم لتعبر عن ذلك يقول الزمخشري: (فان قلت أي فرق بين قولك وظنوا أن حصونهم تمنعهم أو مانعتهم، وبين النظم الذي جاء عليه؟ قلت: في تقديم الخبر على المبتدأ دليل على فرط وثوقهم بحصانتها ومنعها إياهم وفي تصيير ضميرهم اسمًا لـ(أن) وإسناد الجملة إليه دليل على اعتقادهم في أنفسهم انهم في عزة ومنعة لا يبالي معها بأحد يتعرض لهم أو يطمع في معاداتهم، وليس ذلك في قولك: (وظنوا أن حصونهم تمنعهم ) ) [4] .
(1) ينظر: الجدول في إعراب القرآن: 28/ 191، وينظر: معجم إعراب ألفاظ القرآن: 729 - 730.
(2) البيان في غريب إعراب القران: 2/ 428.
(3) ظاهرة التقابل الدلالى في اللغة العربية، عبد الكريم محمد حافظ العبيدي، رسالة ماجستير، الجامعة المستنصرية، 1410هـ 1989م: 85.
(4) تفسير الكشاف: 1092، فـ (مانعتهم) خبر مقدم، (وحصونهم) مبتدأ مؤخر والجملة الاسمية خبر
(أن) ، ويجوز أن يكون (مانعتهم) خبرًا لـ (أن) ،و (حصونهم) مرفوع به، ينظر إملاء ما من به الرحمن: 2/ 258.