الصفحة 46 من 73

وعلى ضوء ذلك نلاحظ أن القرآن الكريم، بينّ في مواضع كثيرة أن الحساب العددي لا يعني القوة ولا يعني الموقف الصحيح. فقد تكون الكثرة على باطل وضلال، بينما تكون القلة على حق وهدى وأراد القرآن الكريم أن ينتزع شعور الخوف من قلوب المؤمنين حين ينظرون إلى أعدائهم وهم يتمتعون بقوى بشرية كبيرة، لكنهم يعانون من تخلخل اجتماعي أو تمزق داخلي يهدد وجودهم. كما في قوله تعالى:

(لا يُقاتلونكُم جميعًا إلا في قرى محصنةً أو من وراء جُدُر بأسهم بينهُم شديد تحسبهُم جميعًا وقلوبهُم شتّى ذلك بانهم قوم لا يعقلون) (1) .

كما نقرأ في العديد من الآيات الكريمة ما يبين أن الكثرة هي في خندف الضلال، مما يعني أن القرآن الكريم يريد أن يزرع في قلب المؤمن الثقة بقوته وبقوة أهل الحق وإن قلوا. يقول تعالى:

(قلْ لا يستوي الخبيثُ والطيبُ ولو أعجبك كثرة الخبيث فتقوا الله يا أولي الألباب لعلكُم تفلحون) (2) .

(1) سورة الحشر: 14.

(2) سورة المائدة: 100.

(وما وجدنا لأكثرهم من عهد وان وجدنا أكثرهم لفاسقين) (1) .

(ولكن أكثرهُم لا يعلمون) (2) .

(ولكن أكثر الناس لا يؤمنون) (3) .

(ولكن أكثر الناس لا يشكرون) (4) .

اننا نستخلص من هذه الآيات الكريمة ان الكم العددي لا يمثل في أكثر الاحيان مظهرًا من مظاهر القوة الاجتماعية، لأنه يقوم على أساس ضعيف هو الضلال والكفر والمعصية. ولذلك لم يؤكد الاسلام على الكثرة العددية بقدر ما أكد على العلاقة الايمانية التي يجب أن تحكم المجتمع الاسلامي. فالرابطة الايمانية والسلوك القويم هو الذي يحقق للمجتمع تماسكه ويجعل منه وحدة بشرية قوية، تواجه العقبات والصعاب بروح معنوية عالية، وبثقة بنصر الله وتأييده.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت