الصفحة 34 من 73

ثم يقدم القرآن الكريم معلمًا آخر من معالم التماسك الاجتماعي حيث يصف التوازن الذي كان عليه مجتمع الرسول (ص) بقوله تعالى: (أشداء على الكفار رحماء بينهم) . فهم يمتلكون احاسيس الشدة والرحمة معًا. شدة في الموقف تجاه الكفار الذين يهددون الرسالة، ورحمة تجاه بعضهم البعض من ابناء الاسلام. وهو ما يحتاج الى موازنة دقيقة في المشاعر والمواقف. وذلك استنادًا إلى ما يمليه الموقف الشرعي.

ان هذه الموازنة في المشاعر ليست عملية سهلة، فقد تفرض ظروف العمل وأجواء المواجهة ان يصطدم الانسان المؤمن بالاعتبارات النسبية والقبلية، حين يجد أفرادًا يرتبط بهم نسبيًا يقفون في الخندق المقابل. ولقد واجه المسلمون الأوائل هذه الحالة. فكان عليهم أن يتجردوا عن الانتماءات القبلية وعصبياتها وعن مشاعر المودة لأهليهم وأقاربهم الكفار، على أساس أن الجانب العقائدي هو الذي ينظم المشاعر والعواطف وليست الاعتبارات الاخرى. وهذا ما أكده القرآن الكريم في العديد من الآيات الكريمة:

(يا أيها الذين آمنوا لا تتخذوا آباءكّم وإخوانكم أولياء إن استحبّوا الكفر على الايمان ومنْ يتولهم منكم فاولئك هم الظالمون * قلْ إن كان آباؤكم وأبناؤكم وإخوانكم وأزواجكم وعشيرتكم وأموال اقترفتموها وتجارةً تخشون كسادها ومساكن ترضونها أحبَّ إليكُم من الله ورسوله وجهاد في سبيله فتربّصوا حتى يأتي الله بأمره والله لا يهدي القوم الظالمين) (1) .

(لا تجدُ قومًا يؤمنون بالله واليوم الآخر يوادٌّون من حادٌّ الله ورسوله ولو كانوا آباءهُم أو أبناءهُم أو إخوانهم أو عشيرتهم أولئك كتب في قلوبهم الايمان وأيدهم بروح منه ويدخُلهُم جنات تجري من تحتها الانهار خالدين فيها رضي اللهُ عنهم ورضوا عنه أولئك حزبُ الله ألا إنَّ حزب الله هم المفلحون) (2) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت