ان سوء فهم التخصص يفرط من الطاقات الفكرية. لاسيما وان البعض تطرف في مفهوم التخصص، حتى صار يجهل المجالات الثقافية الواسعة مما هي خارج دائرة تخصصه. ولعل البعض لم يعد يفهم من الحياة إلا بمقدار ما يتصل بحقله الخاص. بل انه قد يحكم على الناس من خلال مستواهم الثقافي في هذا الحقل.
ولا نحتاج إلى أدلة لأثبات سلبية هذا التوجه. فهو يعزل صاحبه عن الحياة والمجتمع، لأنه لا يستطيع ان يتفاعل معها ومع الناس إلا في حدود تخصصه، وهو ما يلتقي مع عدد محدود من ابناء المجتمع بطبيعة الحال.
ان التخصص مسألة متفق عليها، خصوصًا وان الاحاطة بالمعرفة من كل جوانبها عملية غير ممكنة. لكن التخصص لا يعني الابتعاد عن الآفاق الثقافية والانسانية الاخرى، إذ لا بد للانسان من ثقافة عامة بالمستوى المعقول.
يقول الامام علي (ع) :
العِلمُ أكثر من أن يُحاطُ به فخذوا من كل علم أحسنه) (1)
4 ـ واستكمالا للنقطة السابقة، فان التخصص يجب أن يخضع لمقياس الحاجة إلى حقل التخصص. فحتى لو ضمن الانسان استحصال الثقافة العامة، فان ذلك لا يبرر
(1) غرر الحكم: 42.
له ان يتخصص في حقل بعيد عن حاجة العمل الاسلامي أو الاجتماعي أو السياسي، لأن الاساس في تحصيل الثقافة هو تحديد الحاجة اليها والدور المطلوب منها سواء على صعيد الفرد أو الجماعة. وان الثقافة العامة ليست واجبًا اسقطه الانسان فاصبح بميسوره ان يسلك اتجاهًا ثقافيًا ينسجم مع هوايته ورغبته. ان الاسلام يضع قاعدة الفائدة من الثقافة كمقياس عام ثابت في توجهات الانسان الثقافية على مستوى التخصص او الاحاطة العامة بالمعارف والمجالات الحياتية.
يقول الامام علي (ع) :