وأخطر ما في هذه الآراء دعوته إلى تبنى مفردات العامة وأساليبها، وجعلها بمنزلة اللغة الفصيحة، إحياء لها، فنهبط بالفصحى، ونرفع العامية. والغريب بعد هذا كله أنه يستدرك زاعمًا أنه يريد أن يرضى لغة القرآن، فينادي بالصلح بين العامية والعربية، وإنهاء هذه الحرب اللغوية (96) :
"إذا أردنا الصلح بين اللغتين، فأقرب الطرق لهذا الصلح أن نتذرع إلى إحياء العربية باستعمال العامية، ومتى استعملناها في الكتابة اضطررنا إلى تخليصها من الضعف، وجعلنا العامة يتابعون الكتَّاب في كتاباتهم."
إن هذا الصلح المقترح غريب كل الغرابة، فهو ينادي داعيًا إلى تبني العامية واستخدامها في الكتابة، وذلك سعيًا وراء إحياء العربية بمؤاخاة العامية، وهذا مخالف لأبسط القواعد المنطقية.
عاصر الرافعي هذه الأحداث كلها، ونشر عدة مقالات، منها مقالة في مجلة البيان سنة 1911 بعنوان (الرأي العامي في العربية الفصحى) ، ومما قاله في وصف حال اللغة وإهمالها (97) :"لقد أهملنا اللغة ثم أهملناها حتى صارت معنا إلى حال من الجفوة جعلتها كالواغلة علينا، والغريبة من نقص فهمنا فيها بحيث نضطر إلى التماس شيء غيرها نفهمه، فصار إصلاح اللغة كأنه دربة لإفسادنا وإفسادها، فيما نتوهم دربة لإصلاحنا".
كان الهدف من ذلك كله تمصير اللغة العربية في أرض الكنانة، وذلك لكي تطبق النظرية العرقية الفرعونية التي ظهرت في مصر، وهي تحت نير الاحتلال، لعزلها عن الأمة العربية.
كما تصدى الرافعي أكثر من مرة، وفي أكثر من مقالة، يدافع عن العربية إيمانًا منه أنها تستهدف الجملة القرآنية، ووقف إلى جانبه الأمير شكيب أرسلان، فنشر مقالة سنة 1025 في مجلة الزهراء بعنوان (ما وراء الأكمة) ، وخاطبه في ختام مقالته بقوله (98) :
"فأما الفئام الأخرى ممن عجز عن الفصيح فأبغضه، وممن يستأنس بالركيك، لأنه هو الشيء الوحيد الذي يقدر عليه، فهذه خطبها يسير، وقلعتها أوهى من أن يحمل...عليها".