لقد ناضل الغيورون على الفصحى نضالًا جبارًا، وتصدوا لظاهرة الدعوة إلى استقلال كل قطر بلغته العامية، فتساءل الرافعي قائلًا (93) :"من ذا الذي يرضى أن يجعل لكل أرض عربية لغة عربية قائمة بنفسها، ولكل مصر أدبًا على حياله، ولكل طائفة من الكتَّاب كتابه وحدها؟! ومن ذا الذي فعل ذلك أو حاوله في التاريخ الإسلامي كله على طول ما امتد وتساوق؟!".
والملاحظ أن دعاة المؤاخاة اللغوية والازدواجية العامية كانوا من ذوي المكانة الهامة في المؤسسات الثقافية المصرية، نخص بالذكر منهم أحمد لطفي السيد باشا. وكان مديرًا للجامعة المصرية، ورئيسًا لمجمع اللغة العربية في القاهرة آنئذ.
اعتمد في آرائه على تبني تمصير اللغة العربية، فتصبح مصرية متميزة، وذلك عن طريق تبني العامية المصرية. وصف الرافعي ذلك في مقالة له نشرت سنة 1912 في مجلة (البيان) بعنوان (تمصير اللغة) (94) :
"نريد بهذا التمصير ما ذهبت إليه أوهام قوم فضلاء يرون أن تكون هذه اللغة التي استُحفظوا عليها مصرية بعد أن كانت مضرية".
والمعروف أنه كان يقول بالإصلاح بين العامية والفصحى على طريقة تجعل هذه تغتمر تلك، وتحيلها إليها (95) ، وكان"يرى أخذ أسماء المستحدثات من اللغة اليومية، وأمرارها على الأوزان العربية بقدر الإمكان، فإن لم يكن لها ثمة أسماء، فمن معاجم اللغة وكتب العلم... فإن لم يصب ذلك في هذه أيضًا، وضع لها الواضع ما شاء".
واستطرد فقال:
"وأن في استعمال مفردات العامة وتركيبها إحياء للغة الكلام، والباسها لباس الفصاحة، إذ يكون من ذلك رفع هذه اللغة إلى الاستعمال الكتابي، والنزول من اللغة المكتوبة إلى التخاطب والتعامل".