إن هموم العربية اليوم هي ذات الهموم التي بحثناها من قبل، فهناك في المشرق والمغرب على السواء نزعات مختلفة من العاميات الدارجة واللهجات المحلية الموجودة في مختلف الأصقاع العربية، بيد أن الفرق بين الحاضر والماضي أن السابقين الماضين لم يتبنوا الشعوبية العامية لتصبح لغة منفصلة في كل قطر على حدة.
أما دعاة هؤلاء الشعوبية الجديدة فهم يختلفون بين معتدل ومتطرف، بعضهم من موضع المسؤولية الفكرية، منهم أحمد لطفي السيد، وسعيد عقل، والأب مارون غصن، ويوسف الخال، وشعراء الزجل بشكل عام، وعلى رأسهم ميشال طراد، ومؤيدو الأدب الشعبي، وعلى رأسهم الدكتور عبد الحميد يونس، وعبد الرحمن بشناق.
كما وضحنا أن تيار العامية الذي توضحت بواكيره في مطلع هذا القرن قد عارضه تيار عربي أشد منه وأقوى، وذلك بظهور الأعلام الكبار من المصلحين الذين كانوا ينادون بالإصلاح السياسي والاجتماعي والديني، واقترن الفكر القومي باللغة العربية الفصحى.
من هؤلاء المصلحين الذين جعلوا العربية الدعامة الأساسية لبناء المجتمع العربي والإسلامي، محمد بن عبد الوهاب، وجمال الدين الأفغاني، والسيد أمير علي، وخير الدين باشا التونسي، وعلي باشا المبارك، وعبد الرحمن الكواكبي، والشيخ محمد عبده، وتكلل جهد هؤلاء المصلحين في هذا العصر بظهور كثير من العلماء واللغويين والأدباء الذين تصدوا للشعوبية الجديدة في الطعن على اللغة العربية ونعتها بالجمود، والمناداة بتقبل العامية كظاهرة واقعية موجودة في الحياة الاجتماعية، والمناداة بتقبل العامية ومؤاخاتها لتكون على قدم المساواة مع العربية الفصحى.
تمثل لنا ذلك كله في مصر والشام معًا في وقت واحد ومنطلق واحد، وتكمن وراءه عوامل خارجية لتمزيق الأمة العربية في هذه المرحلة الخطيرة من تطوراتها السياسية والاجتماعية والحضارية.