تلك هي حال اللغة العربية في عصر ابن خلدون، ولكن هذا لم يمنع العلماء من تبيان عوامل هذا الفساد، وخاصة النحاة منهم، فقد أبدى ضيقه من تشددهم في هذا المضمار، ويبدو أنه لم يكن على وفاق معهم.
كما ارتأى ضرورة الاهتمام بتعلم اللسان المضري، أبرز طرائق هذا التعليم لتأصيل الملكة المضرية، وذلك عن طريق استظهار النصوص العربية الأصيلة المأثورة والمنقولة من القرآن الكريم والحديث الشريف، وكلام السلف، ومخاطبات الفحول العرب في أشعارهم وأسجاعهم، وكان يشفعها بالنصوص الجيدة من إنشاء المولدين والمتأخرين والمحدثين، واشترط لقبولهم الالتزام بالأصول العربية في اللغة الفصحى، والتقييد بأساليب وطرائقها واشتقاقاتها.
ـ 3 ـ
موقف الحداثة من الفصحى والعامية
لابد من الإشارة إلى أنه لا انفصام بين القديم والجديد، فالعروة الوثقى تجمعهما، وهذا ما أشار إليه القدماء من النقاد، فقد ذكر ابن حجة (92) :"ليعلم من تنزه في هذه الحدائق الزاهرة أن ما ربيع الآخر من ربيع الأول ببعيد، وإذا تحقق أن لكل زمان بديعًا تمتع بلذة الجديد".
لا انفصام إذًا بين شهر وشهر، وعام وعام، وزمن وزمن، فلكل قديم جديد، ولا يتكون الجديد إلا من القديم، وعلى هذا المفهوم نستطيع فهم قول أمين الخولي:"قتل القديم فهمًا أول كل جديد".
ومن هذا المنطلق التطوري نستطيع مناقشة مفهوم الحداثة، فهي متجددة في كل عصر بالضرورة الجدلية المسيطرة على كل مظاهر الحياة والفكر الإنساني.
نخلص إلى القول: إن مفهوم الحداثة لا يعني قصدًا وبالضرورة الحرب على التراث والثورة على كل تليد، بيد أننا نلاحظ في خضم الحداثة تيارين متعارضين في إطار اللغة:
أولهما: الحداثة الإيجابية، وتتمثل في العربية الفصحى.
ثانيهما: الحداثة السلبية، وتتمثل في العامية الدارجة.