الصفحة 74 من 337

واستطرد بعد ذلك إلى نظريته في فساد اللسان العربي بسبب فساد الملكة العربية لمخالطة الأعاجم من الأمم، فقال (89) :"وهذا هو معنى ما تقوله العامة من أن اللغة للعرب بالطبع، أي بالملكة الأولى التي أخذت عنهم،ولم يأخذوه عن غيرهم، ثم أنه فسدت هذه الملكة لمضر بمخالطتهم الأعاجم، وسبب فسادها أن الناشئ من الجيل صار يسمع في العبارة عن المقاصد كيفيات أخرى غير الكيفيات التي كانت للعرب... فاختلط عليه الأمر، وأخذ من هذه وهذه، فاستحدث ملكة، وكانت ناقصة عن الأولى، وهذا معنى فساد اللسان العربي".

والأخطر من هذا كله اعتقاده أن لغة العرب في عصره كادت تصبح لغة أخرى لما وجده فيها من اللحن والفساد، وخلص إلى القول (90) :

"وإنما وقعت العناية بلسان مضر لما فسد بمخالطتهم الأعاجم حين استولوا على ممالك العراق والشام ومصر والمغرب، وصارت ملكته على غير الصورة التي كانت أولًا فانقلب لغة أخرى".

ولكن العربية بقيت تحفظ أصالتها اعتمادًا على المأثور من القرآن والحديث والتراث، ولم تكن العامية لتستطيع إفساد ذلك فاحتفظت اللغة بقدسيتها، وآية ذلك كله طبيعتها الذاتية في بنيتها التكوينية.

فلا نستغرب أن رأينا ابن خلدون يعقد لها فصلًا خاصًا بها، ذكر فيه أن لغة أهل الحضر والأمصار لغة قائمة بنفسها، وهي مخالفة للغة مضر. يقول (91) :

"إن عرف التخاطب في الأمصار وبين الحضر ليس بلغة مضَر القديمة، ولا بلغة أهل الجيل، بل هي لغة أخرى قائمة بنفسها، بعيدة عن لغة مضر، وعن لغة هذا الجيل العربي الذي لعهدنا، وهي عن لغة مضر أبعد، فأما أنها لغة قائمة بنفسها، فهو ظاهر يشهد له ما فيها من التغاير الذي يعد عند صناعة أهل النحو لحنًا، وهي مع ذلك تختلف باختلاف الأمصار في اصطلاحاتهم، فلغة أهل المشرق مباينة بعض الشيء للغة أهل المغرب، وكذا أهل الأندلس معهما، وكل منهم يتوصل بلغته إلى تأدية مقصوده والإبانة عما في نفسه".

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت