لقد ارتبطت اللغة بالأمة والقرآن، ومن خلال هذا المنطلق يمكن أن نفسر كثيرًا من التيارات المؤيدة أو المعترضة على اللغة الفصحى. يقول الرافعي (99) :"إنما اللغة مظهر من مظاهر التاريخ، والتاريخ صفة الأمة، والأمة تكاد تكون صفة لغتها لأنها حاجتها الطبيعية التي لا تنفك عنها، ولا قوام لها بغيرها... وإن في العربية سرًا خالدًا هو هذا الكتاب المبين القرآن الذي يجب أن يؤدى على وجهه العربي الصريح، ويحكم منطقًا وإعرابًا.."
ثم خلص إلى القول (100) :"إنما القرآن جنسية لغوية تجمع أطراف النسبة إلى العربية، فلا يزال أهله مستعربين به متميزين بهذه الجنسية حقيقة أو حكمًا.. ولولا هذه العربية التي حفظها القرآن على الناس، وردها إليهم، وأوجبها عليهم،... لما تماسكت أجزاء هذه الأمة..".
ولم ينس خلال ذلك أن يندد بهؤلاء الداعين لذلك بقوله (101) :"وهم إنما خلطوا عملًا صالحًا، وآخر سيئًا، وإنما يؤتون من حساب العربية الفصحى لغة أثرية، لا تمادّ الزمن، ولا تشايع روح التاريخ... وهذا، ولا جرم، ضرب من الجهل العلمي، ولو هم فقهوا سر العربية، ووقفوا على طرق تركيبها، وجاذبوا من أزمَّتها، وصرّفوا من أعنتها واكتنهوا محاسنها الفطرية التي خرجت بها من ثلاثمائة تركيب إلى ثمانين ألف مادة.. لعرفوا كيف يتسببون للإصلاح اللغوي الذي ينشدونه، وكيف يكشفون لفظ الإصلاح عن معنى غير فاسد كما ذهبوا إليه..".
ظهر في بلاد الشام المجمع العلمي العربي، وكان الهدف من إنشائه الاهتمام باللغة العربية وبعث تراثها القومي، وذلك منذ الربع الأول من هذا القرن، ولا شك في أن علماء الشام أسهموا بشكل فعال في اليقظة العربية، وإحياء لغة العرب، ولاشك في أن بلاد الشام لم تشهد في هذه المرحلة حربًا لغوية كما حدث في مصر في الفترة نفسها، وربما كان لهؤلاء العلماء أكبر الأثر في تأثيل العربية.