واختتم الزمخشري منهجه بقوله:"فمن حصَّل هذه الخصائص، وكان له حظ من الإعراب الذي هو ميزان أوضاع العربية ومقياس...، وأصاب ذروًا (75) من علم المعاني، وحظي برشَ من علم البيان، وكانت له قبل ذلك كله قريحة صحيحة، وسليقة سليمة، فحل نثره، وجزل شعره، ولم يطل عليه أن يناهز المقدَّمين"...
والملاحظ أن الزمخشري يتبنى الإقرار بالتطور الذاتي، ويؤمن ببلوغ الإبداع والابتكار في كل زمان ومكان، وليس ذلك مقصورًا على القدماء السابقين، أو على عصر الاحتجاج، وإنما نراه يحث ويشجع على ذلك، ويشترط لأجل ذلك بعض الشروط التي ذكرناها من قبل، ويمكن لكل من فقه سر العربية أن يتفق على السابقين المتقدمين.
ولابد لنا، بالإضافة لما تقدم، من بحث الآثار اللغوية المتمثلة في الاتساع والشمولية في هذا الدفق اللغوي الجديد بعد اتساع الفتوح شرقًا وغربًا فكثرت المترادفات وفشا اللحن بسبب ترك الإعراب، وأدى ذلك بالتالي إلى فساد اللسان العربي .
اهتم الجاحظ بهذه الظاهرة ولعلها كانت مظهرًا من مظاهر الشعوبية اللغوية في عصر، إن صح التعبير. ففي حديثه العابر عن لثغة واصل بن عطاء، ذكر أنه"كان إذا أراد أن يذكر (البر) قال: (القمح) ، أو (الحنطة) ، والحنطة لغة كوفية، والقمح لغة شامية"... (76) .
واستطرد بعد ذلك، فتحدث عن الفصحى، والجاري في اللغة على أفواه العامة، وذكر أن أهل الأمصار إنما يتكلمون على لغة النازلة فيهم من العرب، ولذلك تجد الاختلاف في ألفاظ من ألفاظ أهل الكوفة والبصرة والشام ومصر (77) وخلص إلى القول متحدثًا عن الفصحى والجاري من اللغة على أفواه العامة (78) :
"وقد يستخف الناس ألفاظًا ويستعملونها، وغيرها أحق بذلك منها، ألا ترى أن الله، تبارك وتعالى، لم يذكر في القرآن (الجوع) ألا في موضع العقاب، أو في موضع الفقر المدقع، والعجز الظاهر، والناس لا يذكرون (السغب) ويذكرون (الجوع) في حال القدرة والسلامة...".