كما أورد ذكر (المطر) ، وأشار إلى أن القرآن لا يلفظ به إلا في موضع الانتقام، والعامة وأكثر الخاصة لا يفصلون بين ذكر (المطر) وذكر (الغيث) ، وذكر (الأبصار) ، و (الأسماع) ، و (السموات) و (الأرضين) ، وقال:"والجاري على أفواه العامة غير ذلك، لا يتفقدون من الألفاظ ما هو أحق بالذكر. وأولى بالاستعمال...، والعامة ربما استخفت أقل اللغتين وأضعفها، وتستعمل ما هو أقل في أصل اللغة استعمالًا، وتدع ما هو أظهر وأكثر..".
هذه هي بواكير فساد اللسان العربي، وظواهر اللحن اللغوي، كما لاحظها الجاحظ، وأدى هذا التطور الطارئ: من استخدام العامة الألفاظ في ما وضعت له، وإهمال الإعراب والحركات، إلى فشوّ الخلل اللغوي في اللسان العربي. كما أشار إلى أن هذا التداخل كان قديمًا جدًا قبل الإسلام، فقال (79) :"ألا ترى أن أهل المدينة لما نزل فيهم ناس من الفرس في قديم الدهر علقوا بألفاظ من ألفاظهم...". ثم استطرد:"ولو علق لغة أهل البصرة إذ نزلوا بأدنى بلاد فارس، وأقصى بلاد العرب كان ذلك أشبه، إذ كان أهل الكوفة قد نزلوا بأدنى بلاد النبط، وأقصى بلاد العرب".
فلا غرابة بعد ذلك كله، إن رأينا تقويم أهل مكة للغة أهل البصرة كما في الخبر الذي رواه الجاحظ في أبي سعيد (80) .
"قال أهل مكة لمحمد بن المناذر الشاعر: ليست لكم، معاشر أهل البصرة، لغة فصيحة، إنما الفصاحة لنا أهل مكة، فقال ابن المناذر: أما ألفاظنا فأحكى الألفاظ للقرآن، وأكثرها له موافقة، فضعوا القرآن بعد هذا حيث شئتم"...
أمران لابد لنا من تبيانهما من خلال أقوال الجاحظ: أولهما إشارته إلى اللغة العربية (في قديم الدهر) وصراعها مع اللغات الأخرى، وثانيهما أن كل قبيلة كانت تضع في الحسبان لغة القرآن، وأنها أقرب ما تكون إليه، وأن التقويم اللغوي أصبح يعتمد على الموازين القرآنية، بعدًا أو قربًا.