الصفحة 68 من 337

يؤكد رأي الزمخشري، وهو من مخضرمي القرنين الخامس والسادس الهجريين، أن اللغويين واللسانيين العرب كانوا ذوي طبع متحرر مرن، يأخذون بالسائد الشائع على رأي الجمهور، ضمن هذا المنهج اللغوي العربي، فلم يجمدوا عند المأثور والمنقول من وجوه اللغة، ولم تمنعهم آيات الإعجاز، وإنما رأيناهم يتمثلون البلاغة اللغوية، فيضعون لها أسسها الجديدة تدعيمًا، متابعين سنة التطور اللغوي الذاتي، وهذا الأمر يتجاهله أرباب الحداثة من دعاة العامية، فينعتون العربية بالعقم والجمود، لأنها ـ في اعتقادهم ـ لا تستجيب لمتطلبات المجتمع العربي.

إن الزمخشري وهو من المولدين المتأخرين، كان صاحب نظر لغوي ثاقب، فلم يمنعه تأخره الزمني عن إدراك الحاجة إلى تدبر اللغة، وضرورة الانتقال من التراث المأثور إلى الاصطلاحات المستجدة، وإقامة الربط بين الحقيقة والمجاز، والطبيعة والبلاغة، والأصالة والإعجاز، فقدم بذلك عملًا لغويًا جبارًا، وقد أبرز أهمية عمله اللغوي بقوله (72) :

"وهو كتاب.. فُلِيَت (73) له العربية، وما فصح من لغاتها، وملح من بلاغاتها، وما سمع من الأعراب في بواديها، ومن خطباء الحلل في نواديها، ومن قراضبة (74) نجد في أكلائها ومراتعها، ومن سماسرة تهامة في أسواقها ومجامعها..".

وواضح من قوله في خطبته أنه يؤمن بالتطور وجمع اللغة من مختلف مصادرها، بعد خمسة قرون تقريبًا من نزول القرآن، ويمكن أن نجمل منهج الزمخشري بالخصائص التالية:

أولها: الاختيار مما وقع في عبارات المدعين، وانطوى تحت استعمالات المفلقين، أو ما جاز وقوعه فيها، وانطواؤه تحتها.

ثانيها: التوقيف على مناهج التركيب والتأليف، وتعريف مدارج الترتيب والترصيف، بسوق الكلمات المتناسقة، والاستكثار من كلم النوابغ.

ثالثها: تأسيس قوانين فصل الخطاب، والكلام الفصيح بإفراد المجاز عن الحقيقة، والكناية عن التصريح.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت