يجب ألا يغيب عن أذهاننا أن صفة التقديس والإعجاز لم تمنع اللغويين من النظر في بنية اللغة تهذيبًا وتثقيفًا وتشذيبًا واختبارًا، وتبيان ما هو صالح مقبول، وما هو وحشي مستكره، وهذا الجانب على غاية من الأهمية، ذلك لأنه يبعد عنها سمة الجمود، وتبقى بذلك حية في الفكر وعلى اللسان، وهذا يؤكد ما ذكرته من طبيعة التطور الداخلي.
إن الملاحظ أنه ما استشرى الفساد اللغوي في اللسان العربي، في أي عصر من عصوره، إلا تصدى لتلافيه ورأب صدعه كبار العلماء والأدباء والمفكرين على اختلاف نزعاتهم، وإصلاح الخلل الطارئ، واللحن الفاشي، وهذا ـ في اعتقادنا ـ عام حاسم أسهم بشكله الفعال في حفظ اللغة، كما أنها ـ بطبيعة الحال ـ تمتلك التفاعل الذاتي والحركة النبيوية، مما يساعدها على تطورها وتكيفها، وفي هذين الأمرين سر خلودها وبقائها.
أكد هذا المعنى الزمخشري في خطبة أساسه، واستطرد بعد حديثه عن"النبي العربي المفضل باللسان، الذي استخزنه الله الفصاحة، والبيان"فقال (71) .
"من كانت مطامح نظره، ومطارح فكره الجهات التي توصل إلى تبين مراسم البلغاء، والعثور على مناظم الفصحاء، والمخايرة بين متداولات ألفاظهم، ومتعاورات أقوالهم، والمغايرة بين ما انتقوا منها وانتخلوا، وما انتفوا عنه فلم يتقبلوا، وما استركُّوا واستنزلوا، وما استفضحوا واستجزلوا، والنظر فيما كان الناظر فيه على وجوه الإعجاز أوقفَ، وبأسراره ولطائفه أعرفَ، حتى يكون صدر يقينه أثلج، وسهم احتجاجه أفلج، وحتى يقال: (هو من علم البيان حظيٌ، وفهمه فيه جاحظيٌ) .."