"ولهذا كانت لغة قريش أفصح اللغات العربية وأصرحها، لبعدهم عن بلاد العجم من جميع جهاتهم، ثم من اكتنفهم من ثقيف، وهذيل، وخزاعة، وبني كنانة، وغطفان وبني أسد وبني تميم. وأما من بعد عنهم من ربيعة، ولخم، وجذام، وغسان، وإياد وقضاعة، وعرب اليمن المجاورين لأمم الفرس، والروم والحبشة، فلم تكن لغتهم تامة الملكة بمخالطة الأعاجم، وعلى نسبة بعدهم من قريش كان الاحتجاج بلغتهم في الصحة والفساد عند أهل الصناعة العربية..".
هذا النص على غاية من الأهمية، فابن خلدون يعتقد أن اللغات كلها ملكات شبيهة بالصناعة، إذ هي ملكات في اللسان للعبارة عن المعاني وجودتها وقصورها بحسب تمام الملكة أو نقصانها (62) ، وخلص بعد ذلك إلى لغة قريش المضرية، ووضعها موضعها من الفصاحة، فكانت لغة العالية عند العرب.
ـ 2 ـ
خصائص وإعجاز
يتضح أن العربية ذات خصائص متميزة من القدم والأصالة والاتساع والاشتقاق، ويكفي أن نرجع إلى القسم الثاني من فقه الثعالبي لنجد أنه عقد فصلًا في تبيان خصائص كلام العرب، وبيان أسرار العربية، ومعرفة مجاري كلامها، وهذا الفصل على غاية من الأهمية لأنه يبرز لنا بشكل تطبيقي مشفوع بالشواهد المأثورة دقائق ما في العربية.
وليس من باب المصادفة أن يكرر قوله مثلًا (63) :"العرب تقدم عليها [أي الكناية] توسعًا واقتدارًا واختصارًا وثقة بفهم المخاطب"، و"العرب تبتدئ بذكر الشيء"، و"العرب تقول"، و"تقول العرب"، و"العرب تفعل ذلك"، و"للعرب كلام تخص به"، و"في خصائص كلام العرب"، و"من سنن العرب"وقد تكررت إحدى وثلاثين مرة، و"العرب تضيف، و"العرب تسمي"و"العرب تزيد". من ذلك قوله: (64) "وللعرب فعل لا يقوله غيرهم."ويكفي أن نقف عند هذا القول تمثيلًا لما قدمنا لنبرز إيمان العرب بخصائص لغتهم:"تقول.. ( عاد فلان شيخًا) وهو لم يكن قط سيخًا وعاد الماء آجنًا وهو لم يكن كذلك قال الهذلي:
أطعتُ العرِسَ في الشهوات حتى أعادتني أسيفًا عبد غيري