الصفحة 63 من 337

يتضح مما تقدم أن اللغة العربية امتدت عبر الأقطار والأصقاع خلال الفتوح العربية وانتشار الإسلام في المشارق والمغارب، وأدى إلى دخول كثير من الأمم في المجتمع العربي، وهذا التلاقي الحضاري في إطار هذا الاتساع الجديد كان عاملًا من العوامل الجوهرية في فساد اللسان العربي والخلل اللغوي الذي تسرب إلى العربية، وهي قمة الإعجاز، ففسدت الملكة العربية نطقًا، وتعبيرًا ومنهجًا ومضمونًا. ومن هنا تبدأ معركة الفساد والخلل بعد الأصالة والإعجاز في القرن الثالث الهجري.

تطرق المستشرق يوهان فك إلى ظهور (العربية الدارجة) وحددها في أواخر القرن الثالث الهجري، فقال (59) :"وبهذا توطد تمامًا الحد الفاصل بين العربية الفصحى التي صارت منذ ذلك العهد لغة العلم والأدب، والعربية المولدة الدارجة، حوالي نهاية القرن الثالث، حتى في الأوساط المثقفة كذلك".

كما عقد المستشرق المذكور فصلًا عن اللحن ومفهومه ومشتقاته، فقال (60) :"يتطلب معنى اللحن اللغوي أن يكون الصواب متقدمًا عليه، وكلاهما يمكن حصوله وتصوره إذا تجاوز التفكير في اللغة خطوات نشأتها الأولى، بيد أن مثل هذا التفكير والتأمل في نشوء اللغة كان بعيدًا كل البعد عن عرب البادية قبل الإسلام".

هكذا بدأ اللحن والفساد اللغوي يشيع ويزداد منذ مطلع القرن الرابع الهجري، وتولدت عنه الازدواجية اللغوية، وغدت اللهجات العامية تواجه العربية الفصحى، والملاحظ أنه لم يتيسر لها أن تقف أمامها، ذلك لأن اللغة العامية الدارجة لا تمتلك أصالة الفصحى ومقوماتها التراثية العريقة، ومن الطبيعي أن تتراجع أمامها عبر العصور المديدة.

تحدث ابن خلدون عن معنى الفساد في اللسان العربي، فقال (61) :

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت