يضاف إلى أن الاختيار في صناعة اللغة يعتمد على مفاهيم نقدية خاصة توائم أذواق العصر، وتلائم المتطلبات الجديدة، وذلك في حلبة التراث والأصالة. وليس من باب المصادفة أن يضع أحمد بن فارس (المتوفى سنة 395 هـ) كتابيه (الحبير المذهب) و (متخيَّر الألفاظ) ، والمتخير مجمل من الحبير. يقول في كتابه الثاني (56) :"هذا كتاب (متخير الألفاظ) ، مفردها ومركبها، وإنما نحلتُه هذا الاسم لما أودعته من محاسن كلام العرب، ومستعذب ألفاظها، وكريم خطابها، منظوم ذلك ومنثوره، ولم آل جهدًا في الانتقاء والانتخاب والتخيُّر.."..
وكان اعتماد ابن فارس على نظريته في كلام العرب،"فالكلام ثلاثة أضرب: ضرب يشترك فيه العلية والدون، وضرب هو الوحشي، كان طباع قوم، فذهب استعماله بذهابهم، وبين هذين ضرب لم ينزل نزول الأول، ولا ارتفع ارتفاع الثاني، وهو أحسن الثلاثة في السماع، والذهاب على الأفواه، وأزينها في الخطابة، وأعذبها في القريض، وأدلها على معرفة من يختارها" (57) .
وخلص ابن فارس بعد هذا التقسيم الثلاثي لضروب الكلام إلى التحدث عن شرائط الإبداع في الأدب من خلال الاختيار اللغوي، فقال (58) :"إن أول ما يجب على الكاتب والشاعر اجتباء السهل من الخطاب، واجتناب الموعر منه، والأنس بأنيسه، والتوحش من وحشيه فهذا زمان ذلك".
واختتم كلامه بقوله:"ولن يتسنم أحد ذروة البلاغة مع التكلف للفظ الغَلِق، والتطلب للخطاب المستغرب".
فساد اللسان العربي