وكنا قد عرضنا كذلك رأيه بأن (اللغة التي نزل بها القرآن الكريم ليست سوى واحدة من اللغات العربية ميزت من غيرها واكتسبت شرف التقدم والتصدر بفضل ذلك فصارت اللغة العربية الفصيحة ولغة العرب أجمعين) ، وعقَّبنا عليه بأن (وصف القرآن في التنزيل بأنه عربي يعني أنه أنزل بلسان جميع العرب، لا بواحدة من اللغات العربية) . وبعد أن ظهر لنا أنه لم يكن يوجد في اللسان العربي لغة (لهجة) واحدة فصيحة، بل كانت توجد فيه في أحد أطواره التاريخية مجموعة من اللغات (اللهجات) الفصيحة يمكن أن يطلق عليها تسمية اللسان العربي الفصيح أو المبين، نرى أنه صار بإمكاننا الانتقال إلى تحديد مزايا اللسان الذي أنزل القرآن الكريم به.
إن معرفة مزايا اللسان العربي المبين الذي أنزل القرآن به، ستحل -برأينا- اللغز وتكشف الأسباب التي جعلت جميع العرب يقرون بأن القرآن في أعلى درجة من البيان وبأنّ لسانَه العربيَّ المبينَ قمةٌ في الفصاحة والبلاغة.
رابعًا- اللسان العربي المبين.
كتب الأستاذ محمد الأنطاكي ما يلي:"حين يتحدث المستشرقون عن اللهجات الجنوبية (المعينية والسبئية وغيرهما) ، وعن بعض اللهجات الشمالية (الثمودية واللحيانية والصفوية) يوهمون القارئ - عن قصد أو عن غير قصد- أن هذه اللهجات ليست من اللسان العربي في شيء، وأنها ألسن سامية مستقلة ليس بينها وبين اللسان العربي المعروف من وجوه الشبه أكثر مما يوجد بين الألسن السامية كلها... ويقيم هؤلاء المستشرقون دعواهم على أسس: منها أن لغة النقوش الثمودية واللحيانية والصفوية فيها تأثيرات آرامية كثيرة فهي إلى الآرامية أقرب منها إلى العربية. ومنها أن لغة النقوش المعينية والسبئية تختلف عن اللسان العربي في أمور كثيرة تتعلق بالألفاظ والتراكيب وقواعد التصريف" (30) .