الصفحة 38 من 337

صحيح أن النبي الكريم من قريش ولغته قرشية، لكن القرآن الكريم تنزيل من العلي الحكيم، وهو عربي وبلسان عربي. وقد يظن بعضهم أن عبارة (بلسانك) في قوله تعالى: (فإنما يسَّرناه بلسانك( تفيد(بلسان قريش) لأن لسان النبي قرشي. والجواب عليه أن لغة النبي الكريم (أي لهجته) قرشية، ولكن لسانه هو اللسان العربي الواحد لجميع العرب. وعليه يكون معنى الآية (يسَّرناه باللسان العربي( ولعل التأكيد أن لغة القرآن قرشية هو أحد التأثيرات الإسرائيلية في التراث العربي الإسلامي، ويهدف إلى نزع صفة التنزيل عن القرآن الكريم والزعم بأن القرآن هو كلام محمد، لذا فالقرآن بالضرورة بلغة محمد القرشية.

وبما أن جميع العرب أقروا بأن لغة القرآن هي في أعلى درجة من البيان واعتبروها قمة في الفصاحة والبلاغة، فإن أصحاب الرأي القائل أن (القرآن أنزل بلغة قريش) نادوا بأن لغة قريش هي العربية الفصيحة، وأنها لذلك سادت وابتلعت اللغات الأخرى. وبما أن لغة قريش من اللهجات الشمالية، زعم بعض المستشرقين أن لهجات الشمال كانت في العصور القريبة من ظهور الإسلام ذات سلطان قوي ونفوذ واسع وابتلعت اللهجات الجنوبية واحدة تلو الأخرى. ولكن هؤلاء المستشرقين لم يشرحوا الأسباب اللغوية التي جعلت لهجات الشمال تبتلع لهجات الجنوب.

إن ذلك ينقلنا إلى البحث في تحديد ما هي اللغة العربية الفصيحة.

ثالثًا- اللغة العربية الفصيحة

إننا ننطلق في تحديد مفهوم الفصاحة والبلاغة من نظرية الإمام عبد القاهر الجرجاني التي اشتمل عليها كتابه"دلائل الإعجاز في علم المعاني" (27) .

تتضمن نظرية الجرجاني اللغوية المبادئ التالية:

1-الألفاظ أوعية للمعاني وخادمة لها، وتكون الفصاحة في المعنى.

2-تحدث الفصاحة في الكلم بعد التأليف أي بعد ضم بعضها إلى بعض في الجملة.

واللفظة قد تكون في غاية الفصاحة في موضع، بينما لا يكون فيها بعينها من الفصاحة قليل أو كثير في مواضع عديدة.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت