من المعلوم أن الخليفة عثمان رضي الله عنه كلف أربعة نفر، ثلاثة من قريش (هم عبد الله بن الزبير وعبد الرحمن بن الحارث بن هشام وسعيد بن العاص) ورجلًا من الأنصار (هو زيد بن ثابت) بنسخ القرآن. وقال عثمان للرهط القرشيين الثلاثة: إذا اختلفتم أنتم وزيد بن ثابت في شيء من القرآن فاكتبوه بلسان قريش، فإنما نزل بلسانهم، وفي رواية أخرى أنه قال لهم: ما اختلفتم فيه أنتم وزيد بن ثابت فاكتبوه على ما تقولون أنتم، فإن القرآن أنزل على لسان قريش.
يرى أبو شامة المقدسي أن"معنى قول عثمان (إن القرآن أنزل بلسان قريش) أي معظمه بلسانهم، فإذا وقع الاختلاف في كلمة فوضعها على موافقة لسان قريش أولى من لسان غيرهم. أو المراد: نزل في الابتداء بلسانهم، ثم أبيح بعد ذلك أن يقرأ بسبعة أحرف" (25) .
إنني أرى أن قول الخليفة عثمان المشار إليه لا يعدو أن يكون توجيهات إدارية لأعضاء لجنة نسخ القرآن التي شكلها. ولا يجب أن نحمله على محمل قول الصحابي الملزم في الأمور الفقهية، لأن قول الصحابي يكون ملزمًا فقط حين لا يتعارض مع صريح نص القرآن الكريم وصريح نص الحديث الشريف. وأستغرب كيف ترد على لسان الصحابي الجليل عثمان عبارة (لسان قريش) بدلًا من (لغة قريش) ، لأنه يوجد لسان عربي واحد مشترك بين جميع العرب وتوجد إلى جانبه لغات (أي لهجات) لمختلف القبائل. لذا ذكر محقق"المرشد الوجيز"أن المقصود من قول عثمان هو التالي:"إذا اختلفتم في رسم كتابته فاكتبوه بالرسم الذي يوافق لغة قريش ولهجتها من نحو همز وغيره، فإنه نزل بها" (26) .
وهكذا يتبين أن القول إن (القرآن أنزل بلغة قريش) لا يمكن قبوله ولا يستند إلى أساس فقهي لمعارضته ما نص عليه القرآن والحديث. وما دام الأمر كذلك، فما هو السبب في أن الرأي بأن (القرآن أنزل بلغة قريش) هو السائد؟