إنني أرى أن الإمام السكاكي قدم تفسيرًا علميًا يحل مشكلة (إنزال القرآن على سبعة أحرف) حين أكد أن المراد بسبعة الأحرف سبعة أنحاء من الاعتبار متفرقة في القرآن ترد إلى اللفظ والمعنى دون صورة الكتابة، لأنه اعتمد المنهج العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية. وبفضل ذلك المنهج استطاع تحديد الأنحاء السبعة التي تقع فيها أوجه التغاير على الشكل التالي:
1-إثبات لفظة وإسقاطها دون أن يتفاوت المعنى.
2-إثبات لفظة وإسقاطها مع تفاوت المعنى.
3-تغيير اللفظتين والمعنى واحد.
4-تغيير اللفظتين والمعنى متضاد.
5-تغيير اللفظتين والمعنى مختلف.
6-تقديم لفظة وتأخير أخرى.
7-تغيير الوصف الإعرابي للفظة.
وأرى هذا التفسير العلمي الذي قدمه السكاكي لمعنى الأحرف السبعة صحيح من الناحيتين اللسانية والتاريخية.
فمن الناحية اللسانية، كان اللسان العربي الواحد لجميع العرب يشتمل في لهجاته (لغاته) المختلفة على أوجه تغاير في اللفظ قد تؤدي إلى تغاير في المعنى. وإلى جانب وجود اختلاف بين لهجات (لغات) اللسان العربي في طريقة لفظ الكلمات المفردة، كانت توجد بينها أوجه اختلاف في التراكيب تتركز في الأمور التالية:
1-إثبات كلمة وإسقاطها.
2-تغيير الكلمة نفسها.
3-تغيير ترتيب الكلمات.
4-تغيير أوجه الإعراب.
وهذا أمر طبيعي تقره قوانين اللسانيات العامة الحديثة.
ومن الناحية التاريخية، كان العرب المسلمون يقرؤون القرآن على سبعة أحرف كما علمهم الرسول الكريم. واستمر الحال كذلك في عهد أبي بكر وعمر. ثم اقتضت الظروف الموضوعية في عهد الخليفة عثمان تثبيت نص واحد مكتوب للقرآن الكريم. فقام عثمان بجمع القرآن في المصحف الذي عرف باسمه (مصحف عثمان) .