تميزت شبه جزيرة العرب باشتمالها على مناطق جغرافية مختلفة تتوسطها الصحراء. وقد ساعدت طبيعة الأرض العربية على احتفاظ الحياة الاجتماعية العربية بسمات قبلية في كثير من جوانبها بالرغم من وجود نمط حياة الاستقرار التي عرفت الاشتغال بالزراعة والعمران في الجنوب (في اليمن) وفي المناطق الساحلية أو القريبة من الساحل التي عرفت الحياة المدنية والاشتغال بالتجارة. ولم تكن المجتمعات العربية ذات درجة واحدة من التطور الاجتماعي، بل كانت متفاوتة بنتيجة عوامل مختلفة. وقد انعكس ذلك التفاوت في درجات التطور الاجتماعي على الوضع اللغوي للعربية. فكانت اللغة العربية -والحالة هذه- بدرجات متباينة من التطور حسب القبائل والمناطق.
يشير الدكتور جواد علي إلى أن"كل لغات العرب هي لغات عربية وإن اختلفت وتباينت وما اللغة التي نزل بها القرآن الكريم إلا لغة واحدة من تلك اللغات، ميزت من غيرها، واكتسبت شرف التقدم والتصدر بفضل الإسلام وبفضل نزول الكتاب بها فصارت (اللغة العربية الفصيحة) ولغة العرب أجمعين. وحكمنا هذا ينطبق على النبط أيضًا وعلى من كان على شاكلتهم، وإن عدهم علماء النسب والتاريخ واللغة والأخبار من غير العرب وأبعدوهم عن العرب والعربية.." (16) .
لا بد هنا من التنويه بأن لفظة (لغة) كانت تستعمل بمعنى (لهجة) ، فيقال لغات قريش وهذيل وثقيف... ويقصد بذلك لهجاتها. وإني أرى أن لغة القرآن الكريم ليست واحدة من لغات (لهجات) العرب، لأن وصف القرآن في التنزيل بأنه (عربي) يعني أنه أنزل بلسان جميع العرب، وأن لغة القرآن الكريم قد عكست بالضرورة مراحل متفاوتة من التطور اللغوي للعربية. ويؤيد ما ذهبنا إليه أن القرآن، حين نص صراحة على أنه (بلسان عربي مبين) و (لسان عربي) ، استخدم لفظة (لسان) بدلًا من (لغة) للتأكيد أن لغته ليست واحدة من لغات (لهجات) العرب، بل هي لسان جميع العرب. فما اللسان العربي؟
ثانيًا- اللسان العربي.