الصفحة 29 من 337

إن دعوتنا إلى عدم الاندفاع وراء المنهج المقارن التاريخي في دراسة اللغات ليست في الواقع سوى خطوة تمهيدية وضرورية للدعوة إلى اعتماد منهج تاريخي علمي. وكنت قد أشرت أعلاه إلى اتجاه مدرسة أبي علي الفارسي اللغوية الذي بلوره ابن جني في (الخصائص) والإمام الجرجاني في (دلائل الإعجاز في علم المعاني) في نظريتين متتامتين. وأضيف هنا أنني استنبطت منهجًا تاريخيًا علميًا في الدراسة اللغوية من التتام بين نظريتي ابن جني والجرجاني.

ويقضي المنهج التاريخي العلمي بالنظر إلى اللغة على أنها ظاهرة اجتماعية ترتبط بالتفكير منذ نشأتها، وتؤلف نظامًا متعدد المستويات في حركة مستمرة، لذا يجب أن يدرس النظام اللغوي في وضعه الراهن (المتزامن) وفي تطوره في آن واحد. إن استخدام المنهج التاريخي العلمي لدى دراسة تاريخ اللغة يوجب قبل كل شيء ضرورة الاستناد إلى مادة لغوية للغات موجودة الآن فعلًا أو ثبت بالشواهد أنها كانت موجودة، لا مفروضة الوجود فقط. ويرى المنهج التاريخي العلمي أن مادة أي لغة طبيعية معروفة هي أفضل الشواهد التاريخية ودليل علمي هام. لذا فإننا نرفض القول بوجود الشعب السامي، إذا كان ذلك القول يستند فقط إلى فرض وجود لغة سامية -أم، كما ندعو إلى دراسة لغة القرآن الكريم متسلحين بالمنهج التاريخي العلمي لمدرسة أبي علي الفارسي اللغوية.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت