الصفحة 159 من 337

فهذا ابن جني مثلًا يتحدث في كتابه الخصائص )) عن مسوغات حذف الصفة، ويورد في ذلك حديثًا ممتعًا هذا نصه: وقد حذفت الصفة ودلت الحال عليها. وذلك فيما حكاه صاحب الكتاب من قولهم: سير عليه ليل، وهم يريدون: ليل طويل. وكأن هذا إنما حذفت فيه الصفة لما دل من الحال على موضعها. وذلك أنك تحس في كلام القائل لذلك من التطويح والتطريح والتفخيم والتعظيم ما يقوم مقام قوله: طويل أو نحو ذلك. وأنت تحس هذا من نفسك إذا تأملته، وذلك أن تكون في مدح إنسان والثناء عليه، فتقول: كان والله رجلًا! فتزيد في قوة اللفظ بالله) هذه الكلمة، وتتمكن في تمطيط اللام وإطالة الصوت بها وعليها) أي رجلًا فاضلًا أو شجاعًا أو كريمًا أو نحو ذلك. وكذلك تقول: سألناه فوجدناه إنسانًا! وتمكن الصوت بإنسان وتفخمه، فتستغني بذلك عن وصفة بقولك: إنسانًا سمحا أو جوادًا أو نحو ذلك. )) (56)

فهذا الحديث الممتع لابن جني يدل على أنه أدرك بفكره الثاقب أن التنغيم وتعبيرات الوجه التي تصاحب قول القائل تلعب دورًا دلاليًا هامًا، إذ تساعد في فهم كثير من القضايا النحوية. وأعتقد أن لا أحد ينكر بأن مصطلحات: التطويح، والتطريح، والتفخيم، والتعظيم، والتمطيط، كلها وسائل تنغيمية تصدر عن المتكلم، وأي واحد من هذه المصطلحات- في نظري- يمكن أن يقابل مصطلح التنغيم في علم اللغة الحديث.

ومن ذلك أيضًا ما ذهب إليه ابن يعيش )) وهو يتحدث عن أسلوب الندبة حيث يقول: أعلم أن المندوب مدعو ولذلك ذكر مع فصول النداء لكنه على سبيل التفجع، فأنت تدعوه وإن كنت تعلم أنه لا يستجيب، كما تدعو المستغاث به وإن بحيث لا يسمع كأن تعده حاضرًا.

وأكثر ما يقع في كلام النساء لضعف احتمالهن وقلة صبرهن، ولما كان مدعوًا بحيث لا يسمع أتوا في أوله با أو وا) لمد الصوت، ولما كان يسلك في الندبة أو النوح مذهب التطريب زادوا الألف آخر للترنم )) . (57)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت