الصفحة 158 من 337

والحقيقة-في نظري- أن المسألة ليست مسألة نفي أو إثبات، بقدر ما هي مسألة استقراء، وإعادة قراءة للتراث. فمن المسلّم به أن لكل عصر منهجه، ومصطلحاته، ولكل باحث طريقته في تسجيل الظواهر اللغوية. فإذا كان علم اللغة الحديثة يميل إلى التخصص في كثير من الفروع اللغوية، حتى أصبح كل فرع منها علم قائم بذاته، فإن الدراسات اللغوية القديمة يغلب عليها طابع الإلمام بكل هذه الفروع، بل إن العرف الذي كان سائدًا آنذاك هو أن العالِم لأيون عالِما بحق إلا إذا كان ضليعًا في جميع الفروع اللغوية. يقول ابن قتيبة: وليست كتبنا هذه لمن لم يتعلق من الإنسانية إلا بالاسم، ولم يتقدم من الأداة إلا بالقلم والدواة، ولكنها لمن شدا شيئًا من الإعراب، فعرف الصدر والمصدر، والحال والظرف، وشيئًا من التصاريف والأبنية، وانقلاب الياء عن الواو، والألف عن الياء، وأشباه ذلك. )) (55)

وفي هذا القول-كما نرى- إشارة صريحة إلى أن اللغوي الحقيقي هو ذلك الذي يكون على دراية بالمسائل الصوتية، والصرفية، والنحوية، والدلالية، وهي كلها فروع علم اللغة الحديث.

وبعد: هل كان للغويين العرب القدماء حديث عن التنغيم؟ وإذا كان الجوابنعم )) فتحت أي مصطلح عالجوا هذه القضية؟

رأينا قبل قليل أن علماء العربية لا يفصلون في دراساتهم بين القضايا النحوية، والصرفية، والصوتية، وغير ذلك، ومن ثم فإن نظرة فاحصة في مختلف أبواب كتب التراث تكشف لنا عن كثير من القضايا الصوتية التي عالج بها القدماء مسائل نحوية، ومن بين هذه القضايا قضية التنغيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت