وتقول الرواية أن النجاشي لبى دعوة النبي وأسلم وبعث إليه بكتاب يؤكد فيه إسلامه وأنه حقق رغبته في تزوجه من أم حبيبة نيابة عنه وبعثها إليه مع من كان عنده من المسلمين في سفينتين كبيرتين بيد أنه يلوح لنا أن القول بإسلام النجاشي مبالغة يمكن أن تحمل على ما أبداه النجاشي من أدب ومجاملة في استقبال السفارة النبوية والمرجح أن النجاشي لم يسلم ولو أسلم النجاشي يومئذ لكان الإسلام قد غمر الحبشة كلها و لكانت النصرانية قد غاضت منها بيد أن الإسلام لمن ينتشر في الحبشة إلا بعد ذلك وكان انتشاره في الجهات الشرقية الجنوبية فقط.
ونلاحظ أخيرًا أن البعوث والسفارات النبوية لم تقتصر على من تقدم الملوك والأمراء فقد أوفد النبي بعوثًا وكتبًا أخرى إلى عدة من زعماء الجزيرة المحليين لتحقيق نفس الغاية في ظروف وتواريخ مختلفة أسفر بعضها عن نتائج عملية مرضية ودخل بعض هؤلاء الزعماء في الإسلام وكانوا عونًا له فيما بعد كانت هذه السفارات والكتب النبوية عملًا بديعًا من أعمال الدبلوماسية بل كانت أول عمل قام به الإسلام في هذا الميدان.
وليس أطلع من هذه السفارات دليلا على ما كانت به نفس النبي- صلى الله عليه وسلم - من فيض في الإيمان والشجاعة ذلك النبي الذي لم يكن قد نجا بعد من اضطهاد قومه ولم يكن له سلطان يعتد به أو قوى يخشى بأسها يقدم في ثقة وشجاعة على دعوة قيصر الدولة الرومانية وعاهل الدولة الفارسية وباقي الملوك والأمراء المعاصرة على اعتناق دعوة لم تكتمل بعد في مهدها على هذه الدبلوماسية الفطنة التي لجأ إليها النبي في مخاطبة ملوك عصره لم تذهب كلها عبثًا كما رأينا ولا ريب أن النبي لم يكن يتوقع أن يلبي أولئك الملوك الأقوياء دعوته وهو مازال يكافح في بثها بين عشيرته وقومه.