الصفحة 9 من 21

والأسباب الاجتماعية واضحةٌ جدًا في مراعاة التَّلَطُف في مثل هذا الموقفِ ، ولكنَّ الحالةَ الاجتماعية تختلفُ من أمّةٍ إلى أمةٍ ، ومن بيئة إلى بيئة ، ومن جيلِ إلى جيلٍ ، فلعل ما يدعو إلى التَّلَطُف عند أمّةٍ لايدعو إليه عند أمّةٍ أخرى ، ولا أدَلَ على ذلك إلا ما سبق وأشرنا إليه من أنّ اللاتين مثلًا يعبرون عن العورات والأمور المستهجنة بعبارات صريحة مكشوفة على حين أنَّ العرب تتلمس أحسنَ الحيل وأدناها إلى الحشمةِ والتأدب في التعبير عن هذه الأمورِ بأسلوبٍ ألطفَ وأحسنَ كما سبق ذكره في التمهيد.

وهذا الموقف هو الذى دفع كلاًّ من الثعالبيِّ والجرجانيِّ إلى إفراد هذه الظاهرة بالتأليفِ. يقول الثعالبيِّ عن كتابه: (هذا كتابٌ ، خفيفُ الحجمِ ، ثَقِيلُ الوزنِ ، صَغيرُ الجرمِ ، كَثيرُ الغُنْمِ، في الكنايات عمَّا يُستهجنُ ذكرُ، ويستقبحُ نشرُه ، أو يستحيا من تسميته، أو يُتطيرُ منه ، أو يسترفعُ ويُصانُ عَنْهُ ، بألفاظِ مقبولةٍ تؤدي المعنى ، وتفصح عن المغزى ، وتحسن القبيحَ ، وتلطف الكثيفَ) ( الكناية والتعريض ص 3) .

ويقول الجرجانيُّ عن كتابه أيضًا: (فمن فوائده التحرزُ عن ذكرِ الفواحشِ السخيفة بالكنايات اللطيفة ، وإبدال ما يَفْحُشُ ذِكْرُه في الأسماع ، بما لاتنبو عنه الطباعُ ، .. ومنها تركُ اللفظِ المتطير به إلى ماهو أجملُ منه ... ومنها الأمورُ الجاريةُ بين البلغاءِ والأدباءِ ومداعباتهم بمعاريضَ لايفطن لها إلا البلغاءُ ... ومنها التوسعُ في اللغاتِ ، والتفنِنُ في الألفاظِ والعبارات) ( المنتخب من كنايات الأدباء وإرشادات البلغاء ص 4،5) .

أمَّا المَعِينُ الذي نهلا منه مادَة كتابيهما فهو القرآن الكريمُ ، وأخبارُ الرسول صلى الله عليه وسلم وكلامُ العربِ من قلائد الشعراءِ ، ونصوصِ البلغاءِ ، وملح الظرفاءِ في أنواع النثر والنظم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت