ومن أمثلة ذلك ما يُروى من أنَّ الخليفةَ المنصورَ كان في بستانٍ ومعه الربيع ، فقال له: ما هذه الشجرةُ ؟ قال الربيع: شجرةُ الوِفاق يا أمير المؤمنين ، وكان اسم تلك الشجرةِ شجرةَ الخلافِ ، فتفاءلَ المنصورُ بذلك وعَجِبَ من ذكائه ( الكناية والتعريض ص71 ) .
ومن ذلك مارُوى عن الخليفة المأمون أنه كان بيده مساويك ، فسأل الحسنَ بنَ سهلٍ ما هذه ؟ فقال: ضدُّ محاسنك يا أميرَ المؤمنين ، وكره أن يقولَ مساويك ( الكناية والتعريض ص71 ) .
ويبدو أنَّ هذا الموقفَ هو الذى أوحى لابنِ دريدٍ بفكرةِ تأليفِ كتابهِ (الملاحن) حيثُ إنَّ الفكرةَ الأساسيةَ التى يقوم عليها الكتابُ هي استخدامُ اللفظِ المشتركِ على سبيلِ التوريةِ لمعانٍ أخرى خلاف ماهو ظاهرٌ ، و قال عنه: (هذا كتابٌ ألفناه ليفزعَ إليه المجبرُ المضطهدُ على اليمينَ المكره عليها ، فيعارضُ بما رسمناه ، ويضمرُ خِلافَ ما يُظهرُ ليسلمَ من عادية الظالم) ( الملاحن ص15) .
الموقف الآخر: موقف جماعي وذلك يعود إلى تواضع الجماعة اللغويّة أو المجتمع بشكل عام، فاللغة بوصفها ظاهرةً اجتماعيةً تخضع الفردَ لِمَا ترسمه فالدوافع النفسيةُ أو العاطفيةُ التي تفرضُ على الجماعةِ اللغوية نهجًا محددًا في التعبير ليس للفرد إلا محاكاتُها واتباعُها ، وذلك ينطبق على جُلِّ الدوافع التي تعود إلى الحياة الاجتماعية كالكياسة والتأدبِ والخوفِ والتطيرِ والتفاؤلِ والتشاؤمِ ونحوها من الدوافع التي تلجأ الجماعة اللغويةُ إلى التَّلَطُف بشأنها بعباراتٍ كريمةٍ وألفاظٍ نبيلةٍ، وقد مرّ معنا أنَّ العربَ مثلًا يعيبون على الرجل إذا كان يكاشفُ ويصرحُ فيما حَقُهُ السترُ والتحرزُ والأدبُ .